النزيل - لؤي حمزة عباس

النزيل - لؤي حمزة عباس

أجلس إلى مائدتي المعتادة في ركن مطعم الفندق، حيث تبدو الأصوات أقلَّ حدّةً والأضواء أكثر خفوتاً، ركن منعزل يمكنني أن أتابع منه حركة النُدّل، وأن أدقق في وجوه النزلاء، أتأمل ملامحهم وأراقب حركاتهم من دون أن ينتبه أحدٌ منهم، وقتٌ طويل مرَّ منذ أن بدأت بمراقبتهم حتى حفظت طبائع كلٍّ منهم، طريقة أكله وارت
...

أجلس إلى مائدتي المعتادة في ركن مطعم الفندق، حيث تبدو الأصوات أقلَّ حدّةً والأضواء أكثر خفوتاً، ركن منعزل يمكنني أن أتابع منه حركة النُدّل، وأن أدقق في وجوه النزلاء، أتأمل ملامحهم وأراقب حركاتهم من دون أن ينتبه أحدٌ منهم، وقتٌ طويل مرَّ منذ أن بدأت بمراقبتهم حتى حفظت طبائع كلٍّ منهم، طريقة أكله وارتجاف شفتيه أو ارتباك يديه، صمته وشروده أو حديثه المتقطع مع نفسه. لم يفكّر أيٌّ منهم أن يغيّر شيئاً من عاداته، يعود من شروده أو يقطع حديثه مع نفسه ويرفع رأسه قليلاً لينظر نحو الركن البعيد خافت الضوء فيراني بمواجهته، أواصل النظر نحوه بدقّة وتركيز. مثلما يمكنني أن أرمي بصري خارج النوافذ الواسعة ملمومة الستائر فأرى السيارات القليلة تمرّ سريعة خاطفة، وأرى حيوانات الشارع تقترب لتتشمم الزجاج ثم تنظر إلى الداخل قبل أن تعاود سيرها على الرصيف أو تغيّر طريقها عابرة إلى الجانب الآخر. ربما كانت الحيوانات أول ما أثار انتباهي بملامحها التي لم تكن تتغيّر في كلِّ مرّة تنظر فيها، كأنها لا ترى شيئاً ولا تشمّ ما يدعوها للوقوف أكثر من لحظات، ليس ثمة شيء يُثيرها أو يدعوها، كأن لا مطعم خلف الزجاج، لا روائح ولا طعام ولا نزلاء يتوزعون على موائدهم، ينشغل كلٌّ منهم بطعامه، لا يرفعون رؤوسهم ولا يلتفتون.

يوماً بعد آخر يراودني شعور بأن شيئاً ما يتغيّر، يغيب نزيل أو يحلُّ نزيل، تخامرني السعادة لحدث مثل ذلك، إحساس خفيف بالفرح يسري في دواخلي كلما فكّرت أن نزيلاً جديداً حلَّ في الفندق يمكنني أن أتأمل ملامحه وأراقب حركاته وهو ينشغل بطعامه كلَّ يوم. وجه وطريقة أكل، ارتجاف شفة أو ميل رقبة أو ارتباك يدين، صمت طويل ونظرات شاردة أو حديث متقطّع مع النفس، يحتدّ ويلين، لكن الغريب هو ما أشعره من تردّد في تنفيذ ما أقطعه على نفسي في ليالٍ متباعدة وأنا أسمع صيحات استغاثة تتصاعد في هدوء الفندق حادةً وموجعةً، ربما في غرفة قريبة من غرفتي، أُحسُّها تسري في الجدران وتتردّد في الأبواب وخزانة الملابس والمرآة المغبّشة لتستقرّ في خشب السرير، تنبض تحت وسادتي، قبل أن أسمع خبطاً ثقيلاً يعود بعده الفندق لصمته ثم تصلني أصوات خطوات خفيفة متلاحقة على الممر. كلَّ ليلة أسمع الصيحات فيها أؤكد لنفسي أنها لن تكون غير ليلتي الأخيرة في مثل هذا الفندق التعيس، لقد سأمت ذلك ولم يعد بمقدوري أن أسمع المزيد، لا طاقة لي على التحمّل، أصمت بعدها منقلباً على الجانب، تهدأ أنفاسي قليلاً وأنا أكرّر بلهجة قاطعة ما قلته من قبل: سأحزم حقائبي وأغادر، لكنني في الصباح أعاود مهماتي اليومية، أستحمُّ أطول وقت ممكن غير عابئ بما يتجمّع تحت قدمي من ماء، ثم أحلق ذقني وأرتدي ملابسي التي هيأتها الليلة الماضية قبل أن آوي إلى السرير، بعدها أنزل السلّم الضيّق متوجّهاً نحو مائدتي، يدعوني الركن المنعزل خافت الضوء فأستجيب وأنا أفكّر بالنزيل الجديد لحظة يدفع الباب ويدخل، لحيته خفيفة ابيضّت بعض شعراتها وعيناه صغيرتان حائرتا النظرات، من خلفه أرى حيوانات الشارع، وأرى السيارات القليلة تمرّ سريعةً خاطفة.

* قاص واكاديمي عراقي