هجوم آخر على دريدا

هجوم آخر على دريدا

ترجمة: ميادة خليل عقود بعد \"قضايا هايدغر\" أثارت حربا إعلامية شرسة بين المثقفين في فرنسا، إذ حاول الفيلسوف جان بيير فاي، تحريك المياه الراكدة من جديد بكُتيب ضد جاك دريدا. الهجمات على جاك دريدا ليست جديدة: منذ أوائل الثمانينيات, كانت مهاجمة دريدا رياضة مفضلة لدى بعض الفلاسفة من أبناء بلده, ناهيك ع
...

ترجمة: ميادة خليل

عقود بعد \"قضايا هايدغر\" أثارت حربا إعلامية شرسة بين المثقفين في فرنسا، إذ حاول الفيلسوف جان بيير فاي، تحريك المياه الراكدة من جديد بكُتيب ضد جاك دريدا.

الهجمات على جاك دريدا ليست جديدة: منذ أوائل الثمانينيات, كانت مهاجمة دريدا رياضة مفضلة لدى بعض الفلاسفة من أبناء بلده, ناهيك عن وسائل الإعلام الأميركية، حتى بعد مرور عقد من الزمن على وفاته, لا زال شبحه يواجه أعداءه ليجد نفسه في وسط معركة ساخنة في الصحافة. 

في مارس, نشر عدو قديم لدريدا, جان بيير فاي, كتيبا انفعاليا بعنوان \"رسالة إلى دريدا: المعركة أسمى من الفراغ\". وهو عنوان يستحضر عمداً \"رسالة إلى الإنسانية\" النص المشهور لـهايدغر, والذي كان محور النقاشات الساخنة في فرنسا لفترة طويلة. 

الكُتيب يدعي أن دريدا استخدم سياسة التستر لغرض فرض رؤيته الشخصية على الكلية الدولية للفلسفة CIPh, وهي مدرسة فلسفية غير تقليدية تشكلت تحت إدارة فرانسوا ميتران (الرئيس الفرنسي الأسبق) 1983. فاي يدعي بأن دريدا يريد فرض التفكيكية على الكلية, وبذلك يجعل من \"هايدغر النازي\" سيد مفكريها.

كتاب فاي الجديد وصل في الوقت المناسب للاحتفال بالذكرى الثلاثين لــ CIPh, وكان قد صيغ الكُتيب كرد على كاتب السير بينوا بيترز, الذي ألف كتابا عن دريدا صدر في فرنسا عام 2007 وصور بيترز فاي في الكتاب على أنه رجل يُغذي الأحقاد حول شهرة دريدا, خاصة عندما يصل الأمر الى CIPh. الكلية التي كان لديها مشروع فاي في البداية, ودريدا كان مترددا في السقوط بالشرك, خاصة بعد حملة فاي الانتخابية لمنصب في جامعة في ناننتير انتهت بالخزي. لكن الفلاسفة والأعضاء الآخرين في إدارة ميتران وجدوا أن من الطبيعي لشخص لديه شهرة دريدا العالمية أن يكون هو وجه الكلية الدولية للفسلفة, وأقنعوا دريدا أخيراً إلى الانضمام، ربما دون علم فاي, كان دريدا على اتصال بالمسؤولين الفرنسيين في بعض الأحيان للتحاور حول سياسة الحكومة بالنسبة للفلسفة, وكان ينظر له دائماً كرجل رأي مثالي للتجارب المستقبلية.

على الرغم من أن CIPh تحمست بالتأكيد لآمال دريدا حول بيئة الجامعة التي يمكن أن تحرر مما اعتبره تسلسلا هرميا في نظام التعليم الفرنسي, إلا أن فكر زميله فاي لم يثر اهتمامه على ما يبدو. عندما أخذت الكلية شكلها, كتب دريدا الى صديقه, ناقد \"ييل\" الأدبي باول دي مان, بأن فاي كان \"في حالة من النشاط الجنوني المفرط, غريبة تماماً بالنسبة لاهتماماتي وذوقي\"، وكتب في رسائله التي نشرت في السيرة التي كتبها بيترز. كان دريدا يشكك في جدية الحكومة الفرنسية حول إنشاء المؤسسة, وتوقع أنها ستنتهي نهاية \"شائكة\". كان مخطئاً في ذلك: لقد انتخب بالإجماع مديراً جديداً للكلية ومنح تغطية إعلامية متوددة في كل الصحف الفرنسية الكبرى ــ شيء آخر أثار غيرة فاي بكل تأكيد. لكن دريدا لم يفقد تشاؤمه الأول حول CIPh: غادر منصبه بعد ثلاث سنوات فقط, وقال في وقت لاحق بأن المدير \"مهنة كبيرة جداً\"، وأنه \"لا يمكنه التعامل مع العصابات\". على الرغم من حقيقة أن انتقادات فاي الجديدة يدعمها عداء شخصي معروف, إلا أنها حرضت على تغطية إعلامية هامة, ومناقشة موسعة تبارى فيها فاي ضد مؤوسسي الـ CIPh ورؤساء المدرسة الحاليين. دومينيك ليكورت, فيلسوفة العلوم التي كانت جزءاً من مجموعة مؤسسي الكلية, قالت عن حملت فاي العنيفة بأنها \"بائسة\". قالت ليكورت لصحيفة لوموند الفرنسية: \"فاي حاول دائماً زج فكرته الخاصة عن المؤسسة بواسطة الحيل القانونية\".

\"بالنسبة لدريدا, حصل على صعوبات أكثر فأكثر, لكن في نظر العالم, كان دريدا يجسد الفلسفة, وفاي غير معروف\". كُتب ذلك في افتتاحية صحيفة ليبراسيون ووقعها رؤساء الـ CIPh, ومن ضمنهم صديق دريدا المقرب جان لوك نانسي, الذي قال عن كتيب فاي بأنه \"خرف\", و\"يقدم تاريخاً مزدوجاً عن الكلية والفيلسوف الذي كان حاقداً وأعمى\".

\"رسالة دريدا\" لا تمثل المرة الأولى لفاي في مهاجمة دريدا علناً, عداء يبدو متجذراً في المعارك المؤسسية وعداء فاي الفلسفي المكثف نحو هايدغر. كتاب بيترز يبين أن عداوتهما بدأت في الستينات, عندما اختلف فاي مع محرر صحيفة يسارية مؤثرة \"تيل كيل\", جزء من هذا الخلاف كان حول ترجمة الصحيفة لفلسفة دريدا إلى مصطلحات ماركسية. حاول فاي أن يعبئ دريدا ليكون الى جانبه, لكن دريدا ظل بعيداً. وفي عام 1969, نشر فاي هجوماً معيباً على المحررين في \"تيل كيل\" في صحيفة \"لومانيتيه\", وقلل من شأن فلسفة هايدغر علناً واعتبرها \"نازية\" في محاولة لادانة \"عمى\" دريدا عن ما يحدث, وبذلك أصبح الاثنان عدوين لدودين, وواجها تحدياً مع الــCIPh.

كما أنها ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها دريدا كهدف لتأثره بـهايدغر. صدرت كتب مختلفة عن فترة هايدغر النازية, خاصة كتاب \"هايدغر والنازية\" لــفيكتور فارياس الذي نشر في عام 1987, والذي أثار جدلاً إعلامياً, وعرض دريدا كمدافع عن فلسفة مشوهة بالنازية. على الرغم من أنه كان دائماً ما ينتقد هايدغر ويؤكد بأنه اتخذ جانب سيده المظلم, إلا أن دريدا كان غير قادر على مكافحة حكايات وسائل الأعلام السطحية, ومنها قولهم أن \"التفكيكية\" ترتدي قناع السياسة العدمية. الحكايات كانت أكثر هيمنة في وسائل الإعلام الأميركية: نعي النيويورك تايمز لـدريدا في 2004, منح مساحة لنقد فكرة أن دريدا قد استخدم الفلسفة لتبرير معاداة السامية بسبب ولعه بهايدغر وصداقته مع باول دي مان.

لكن هذه المرة, الجدل يمتلك حسا عتيقا. نقاشات هايدغر هدأت في فرنسا: رغم أنه لا تزال هناك نقطة رئيسية للاختلاف, ولا تزال هذه النقطة مؤثرة في الولايات المتحدة, اقتربت الفلسفة الفرنسية في الماضي واندمجت مع أفكاره. لم يعد الخلاف مع هايدغر يؤدي الى عواقب وخيمة على سمعة الفرد السياسية. هذه المرة, محاولات فاي لوصف دريدا تابع ضعيف التمييز لهايدغر, ورفض فلسفة هايدغر لأنها ملوثة بطبيعتها النازية, تلتقي مع انزعاج من أناس يعرفون الأفضل.

\"بالنسبة لفاي, يمكن للمرء, في نقله الكلام, أن يحمل أيديولوجيات كاملة معهم\" رد نانسي والشركة في صحيفة \"ليبراسيون\". الفلاسفة يؤكدون أن لا دريدا ولا هايدغر كان أول من استخدم مصطلح \"التفكيكية\", وأن استخدام هايدغر الكلمة في الوجود والزمن كانت, مثل أغلب المصطلحات الشائعة الأخرى لدى هايدغر, تستخدم بعناية كمعنى لشيء ما مختلف تماماً عن معناها المستخدم في أعمال المفكرين السابقة. \"طالب الفلسفة يعلم أن هذه تذكيرات أولية\".

\"يجب علينا دراسة هايدغر لفهم كيف أصبحت أوروبا على ما هي عليه الآن\". أضاف نانسي في حوار آخر. \"نحلله بينما نصفعه\". أصدقاء ومحبين فعلوا الشيء ذاته مع أعمال دريدا, وليس من المستغرب أن لديهم القليل من الوقت من أجل نقد من يريدون رفضه بدون نقاش.

المصدر: The Daily Beast