رؤساء سابقون خارج دائرة المساءلة.. امتيازات محفوظة واتفاقات خفية

رؤساء سابقون خارج دائرة المساءلة.. امتيازات محفوظة واتفاقات خفية

بغداد – العالم الجديد

يوماً بعد آخر، تحكم الأحزاب سيطرتها على النظام السياسي في العراق، حتى بلغت مرحلة عدم تنفيذ القرارات الحكومية، فضلا عن بنائها اتفاقا شاملا يضمن عدم محاسبة أيّ من رؤساء الحكومات والبرلمان والجمهورية السابقين، مهما ارتكبوا من أفعال تعد "جرمية" وخصوصا السرقات وهدر المال العام، ما حوّل النظام ف
...

يوماً بعد آخر، تحكم الأحزاب سيطرتها على النظام السياسي في العراق، حتى بلغت مرحلة عدم تنفيذ القرارات الحكومية، فضلا عن بنائها اتفاقا شاملا يضمن عدم محاسبة أيّ من رؤساء الحكومات والبرلمان والجمهورية السابقين، مهما ارتكبوا من أفعال تعد "جرمية" وخصوصا السرقات وهدر المال العام، ما حوّل النظام في العراق إلى "أداة" بيد زعماء الأحزاب، وباتوا يرون السلطة عبارة عن "عملية تجارية".   

 

البداية من قرار اتخذه رئيس الحكومة محمد شياع السوداني قبل أيام، بشأن سحب حمايات رؤساء الحكومات السابقة، لانتفاء الحاجة لذلك، لكن مصدرا سياسيا مطلعا يؤكد لـ"العالم الجديد"، بأن "القرار لم ولن يرى النور، لأن أحدا من رؤساء الحكومات السابقة، لم يأخذ به، كما لم يتمكن أحد من فرض القرار بالقوة عليهم".

 

ويوضح المصدر، أن "القرار جاء نظرا لوجود مئات من عناصر الحماية لدى رؤساء حكومات سابقين، وهو أمر مبالغ فيه، ويثقل ميزانية الدولة، ويجمد هذه العناصر عن عملها الحقيقي في مواقع تنسيبها". 

 

ويبين المصدر الذي رفض الكشف عن هويته، أن "لدى رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي على سبيل المثال نحو 100 عنصر حماية، معظمهم من عناصر جهاز المخابرات الوطني الذي كان يرأسه، ناهيك عن امتلاك أسلافه من الرؤساء السابقين لمئات العناصر وعشرات العجلات لحمايتهم".

 

يشار إلى أن القاضي وائل عبد اللطيف، كشف سابقا أن كبار المسؤولين في هرم السلطة التنفيذية لديهم أفواج لحمايتهم، وأن عدد منتسبي هذه الأفواج وصل إلى أرقام مهولة تستنزف خزينة الدولة.

 

وسبق لوسائل الإعلام، أن تداولت أخبارا عن امتلاك رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي آلاف العناصر الأمنيين، ما يزال محاطا بهم رغم خروجه من السلطة، فيما تمتلك شخصيات أخرى أكثر من 1000 عنصر حماية، فيما يمتلك رئيس الحكومة الأسبق حيدر العبادي نحو 100 عنصر.

 

وتقدر تكلفة هذه الحمايات بمليارات الدولارات سنويا، تصرف أغلبها من موازنة وزارة الدفاع، نظرا لارتباط غالبية هذه الأفواج بها.

 

وحول هذا الأمر، يبيّن المحلل السياسي علي البيدر، خلال حديث لـ"العالم الجديد"، بأن "هذه القرارات تصدر ولا تُنفذ، ما دام تنفيذها يعود بالضرر على أطراف تمتلك النفوذ والقوة، إذ تعمل هذه الأطراف على تهديد من ينفذ تلك القرارات، حتى أن التهديدات قد تطول رئيس الوزراء نفسه، ليبقى قراره حبرا على ورق".

 

ويتابع البيدر أن "هناك اعتبارات وخواطر للزعامات السياسية تمنع تنفيذ القرارات الحكومية، إضافة إلى أن رئيس الوزراء نفسه يخضع لهذه الاعتبارات، لذلك فإن قراراته تبدو إعلامية فقط، ولا تطبق على أرض الواقع، وهذا ما كان يحصل مع جميع رؤساء الوزراء السابقين وليس الحالي فقط".

 

يذكر أن أغلب رؤساء الحكومات السابقين، ورغم عدم تسنمهم أي منصب سيادي، فإنهم ما يزالون يشغلون القصور الحكومية، ولم يخلوها بعد خروجهم من مناصبهم. 

 

جدير بالذكر، أن إبراهيم الجعفري، هو رئيس الحكومة الوحيد الذي غادر العراق واستقر في بريطانيا، ووفقا لفيديوهات يتم تداولها بشكل مستمر له، فإنه يعيش حياة اعتيادية كأي مواطن هناك.

 

من جانبه، يعتقد الخبير في الشأن السياسي سمير عبيد خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "عدم تنفيذ قرارات السوداني بشأن سحب الحمايات يعود إلى تبعية القنوات التي تنفذ هذه التوجيهات والقرارات، ووقوفها تحت هيمنة وسيطرة الأحزاب والقوى السياسية، ولذا، فإن تنفيذ قرار سحب حمايات الرئاسات السابقة أمر مستبعد على الرغم من عدم حاجتها إلى هذا العدد من الحمايات".

 

ويضيف عبيد، أن "القرار الحكومي في العراق ضعيف ومثلوم وخاضع لتدخلات وضغوط داخلية وخارجية من الدول الإقليمية، وهذا الأمر غير خافٍ على احد".

 

من آمن العقاب!

ويبدو أن سطوة رؤساء الحكومات السابقين لا تقتصر على الاحتفاظ بعدد مهول من الحمايات، بل تتعدّى إلى تحصينهم من أي مساءلة يمكن أن توجه إليهم بعد انتهاء ولايتهم في الحكومة.

 

وفي هذا الشأن، يرى عبيد بأن "المحاصصة والتحالفات السياسية بين الكتل والأحزاب هي ما يقف وراء عدم محاسبة الرؤساء بعد خروجهم من مناصبهم، لاسيما أن جميع الحكومات التي شكلت هي حكومات توافقية، منبثقة من اتفاق الكتل المتنفذة، ولذا فإن الرؤساء السابقين للرئاسات الثلاثة ضمنوا عدم المحاسبة".

 

ويلمّح إلى "وجود اتفاقات سياسية تحت الطاولة بين القوى المتنفذة على عدم محاسبة الرؤساء السابقين للرئاسات الثلاثة"، معتقدا أن "هذه السياسات هي ما يجعل العراق متأخرا ومتصدرا لقائمة الدول الأكثر فسادا في العالم".

 

يشار إلى أن الحكومة السابقة، اتهمت بالعديد من صفقات الفساد، وكانت أبرزها ما بات يعرف بـ"سرقة القرن"، وهي سرقة 2.5 مليار دولار من أمانات هيئة الضرائب العامة، وجرى حديث عن تورط وزراء ومقربين من رئيس الحكومة، لكن لم يتخذ أي إجراء وسلمت الحكومة مهامها إلى السوداني بشكل رسمي، من دون محاسبة أي مسؤول فيها أو استدعائه من الجهات المختصة. 

 

وغالبا ما يكشف النواب عن وجود ملفات فساد بمبالغ طائلة في مختلف مفاصل الدولة، وبعضهم يدعمها بالوثائق، كما تصدر هيئة النزاهة الاتحادية وبشكل مستمر، بيانات عن اكتشافها ملفات فساد أو إصدار أحكام بحق مسؤولين سابقين، لكن أغلبهم في المحافظات أو إداريين في بعض الوزارات.

 

جدير بالذكر، أن منظمة الشفافية الدولية، وفي تقريرها العام الماضي، بشأن الدول الأكثر نزاهة والأقل، حصل العراق في المرتبة 157 من أصل 180 دولة.

 

بالمقابل، يؤكد المحلل السياسي المقرب من الإطار التنسيقي كاظم الحاج، خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "قضية تشكيل الحكومة داخل النظام السياسي في العراق تخضع لاتفاقيات وشروط متبادلة، وفي حال القبول تتم عملية تشكيل الحكومة، ومن هذه الشروط والاتفاقيات هي قضية عدم محاسبة شخصية رئيس الوزراء، وحكومة الكاظمي ليست مستثناة من هذه الاتفاقيات والشروط".

 

ويبين الحاج أن "عدم محاسبة رؤساء الوزراء وكذلك الجمهورية والبرلمان، يعود إلى ما تملكه هذه الشخصيات من علاقات داخلية وخارجية تمنع محاسبتهم وعدم تحقيق العدالة إذا ما ارتكب أي منهم مخالفات أو جرائم، ولذا لا نتوقع أن تشهد الأيام المقبلة أي محاسبة لرئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، لما له من علاقات خارجية وكذلك مع بعض الأطراف السياسية في الداخل".

 

ويتابع أن "القوى السياسية وأطرافاً إقليمية ودولية عملت على تأمين مرحلة ما بعد حكومة الكاظمي، ولذا فلن نرى أي تحرك حقيقي نحو محاسبة الكاظمي، برغم الوعود التي أطلقتها أطراف مختلفة بمحاسبته، وهذا الأمر يشمل أيضا رؤساء الجمهورية والبرلمان". 

 

ويكشف المحلل السياسي أن "معلومات بمغادرة الكاظمي العراق، قبل أكثر من أسبوعين، وأنه قبل مغادرته، كان قد أبلغ بعض قادة الإطار التنسيقي بذلك".

 

يشار إلى أن رؤساء الحكومات السابقة، جرى توجيه اتهامات عديدة لهم من قبل نواب وسياسيين، أبرزها التسبب بهدر المال العام عبر الصفقات والسرقات الكبرى، إضافة إلى تهاونهم بملفات أمنية خطيرة، ومنها دخول داعش للبلد إبان فترة تولي المالكي لدورته الحكومية الثانية عام 2014، وهذا الأمر جرى التحقيق فيه وصدر تقرير عن اللجنة التحقيقية المشكلة لمعرفة الأسباب، لكن لم يفعل ولم تجر إدانة شخصيات على مستوى رفيع.

 

كما اتهم رئيس الحكومة الأسبق، عادل عبدالمهدي، بقمع متظاهري تشرين الاول أكتوبر 2019، ما حمله المسؤولية الكاملة عن مقتل نحو 600 متظاهر وإصابة 25 ألفا آخرين، لكن لم يتم التحقيق بالأمر وأغلق الملف سريعا وما زال عبدالمهدي يمارس دوره السياسي في بغداد.

 

كما يشير البيدر، في هذا الصدد إلى أن "الزعامات السياسية أو رؤساء الرئاسات الثلاثة، يرون أنفسهم فوق القانون والدولة وفوق المحاسبة، ويعتقدون أن العمل السياسي تجارة على أساس الربح والخسارة، إذ جعلوا من الدولة وسلطاتها التنفيذية أداة بأيديهم، ولذا فلا احد يستطيع محاسبتهم".

 

جدير بالذكر، أن العاصمة بغداد، احتضنت في أيلول سبتمبر 2021، مؤتمرا لاستعادة الأموال المنهوبة، بحضور مسؤولين عرب، وقد خرج البيان الختامي خاليا من خطوات حقيقية لاستعادة الأموال، بل اقتصر على الدعوات لمساعدة العراق في استعادة هذه الأموال التي تقدر بـ150 مليار دولار، بحسب ما صرح رئيس الجمهورية برهم صالح في حوار متلفز.

 

ومن بين الأرقام المعلنة حول الأموال المهربة، هو ما طرحه وزير المالية السابق علي علاوي، حيث أكد أن قيمة الأموال هي 250 مليار دولار، سرقت من العراق منذ عام 2003.

 

وكانت ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة جينين بلاسخارت أعلنت يوم أمس، أن هناك فسادا كبيرا في العراق يمثل تحديه الأكبر ويقف ضد تقدم البلد وتطوره.

 

أخبار ذات صلة