بواسل التحالف الوطني

بواسل التحالف الوطني

استبسل قادة التحالف الوطني على الإعلام. لم يعد في العراق مشكلة غير الإعلام والمشتغلين فيه. وفيما كان كلُّ من السادة عمار الحكيم ونوري المالكي وإبراهيم الجعفري يمدح ويذم الإعلام والإعلاميين في فندق الرشيد، كانت القوات الأمنية تدهم مقر قناة البغدادية للمرة الثانية في أسبوع. هذه المداهمات كانت كافية لج
...

استبسل قادة التحالف الوطني على الإعلام. لم يعد في العراق مشكلة غير الإعلام والمشتغلين فيه. وفيما كان كلُّ من السادة عمار الحكيم ونوري المالكي وإبراهيم الجعفري يمدح ويذم الإعلام والإعلاميين في فندق الرشيد، كانت القوات الأمنية تدهم مقر قناة البغدادية للمرة الثانية في أسبوع. هذه المداهمات كانت كافية لجعل كل الكلمات التي قيلت في \"المؤتمر التأسيسي لاتحاد الإذاعات والتليفزيونات العراقية\" لاغية، وليس لها معنى، ولا تؤدي إلى مؤدى، هي كلمات كما كل الكلمات السابقة، ستقال على عجالة، وسينقلها ويهلل لها الإعلام الحزبي، وتصبح من التاريخ لهؤلاء الساسة. ستظهر هذه الكلمات أن هؤلاء الساسة لا يرون غير الفضائيات الذين أسسوها بأموالهم (الجعفري يمتلك قناة بلادي) و(الحكيم يمتلك قناة الفرات) و(المالكي يمتلك قناة آفاق).
ويبدو أن الأحزاب العراقية تؤسس قنواتها الحزبية ليس من أجل صناعة رأي عام، أو كسب ود الجماهير، أو اكتساب عاطفة تجاه حدث ما. ليس هذا الغرض منها بالتأكيد، فهي لا تؤثر أي تأثير بالشارع، صورتها باهتة، وكلماتها تكشف عن حجم ابتعادها عن الشارع، الساسة هؤلاء أسسوا تلك الفضائيات من أجل التمتع بما يريدون رؤيته. لا يوجد تفجيرات أو مشاهد موت أو فقر.. إنها شاشات براقة تكيل الاتهامات إلى الخصوم، وتنقل الأعمال الخيرية والسياسية التي يقوم بها الساسة.
السياسيون، جميع السياسيين في العراق، لا يسعون إلى إعلام حقيقي يكشف عن فسادهم وأخطائهم الكارثية. يشير بأصابع ثابتة غير خائفة إلى مكامن الخلل في إدارة الحكومة. يرعبهم الإعلام، ويسعون إلى شرائه في حال تجاوز \"الخطوط الحمر\".
أغلب الساسة اشترى إعلاماً -كان حراً- بأثمان رخيصة. تحوّلت صحف جيّدة إلى مراكز بروباغندا لفلان أو علان بعد أن كانت تكشف عمّا يقوم به هو وحزبه من صفقات خلف الستار.
إن الكلمات التي قالها قادة التحالف الوطني لا تعدو أن تكون كلمات معلبة. السيد الحكيم قدّم تعريفات للإعلام وكأنه مشتغل فيه لسنوات عديدة وأخيرا توصل إلى خلاصتين أوّلها أن على الإعلاميين تلمس \"الحد الفاصل الرفيع بين الانتقاد البناء والانتقاد الهدام\"، والخلاصة الثانية هي بناء مدينة إعلامية، وهذه المدينة، في ظلّ السياسات الحالية ستكون خاضعة لمزاج الحزب الحاكم الأمر الذي سيزيد تكبيل حرية الإعلام أكثر مما هي الآن.
السيد الجعفري خانته الكلمات مرّة أخرى فطالب الإعلاميين بـ\"تقوى الله بالعراق\". سرعان ما سيتبادر إلى الأذهان صورة الجعفري وهو يحمل مايكروفوناً أيام المعارضة العراقية وهو يقدم عظة دينية من عظاته.
أما رئيس الوزراء، والقائد العام للقوات المسلحة السيد نوري المالكي فقد كرّر كلمات الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية وقيادة عمليات بغداد سعد معن: \"بعض وسائل الإعلام تعمل على إثارة الفتنة والحرب على الدولة والعملية السياسية\"، وهنا صراحة، لا أعرف من تأثر بمن، هل أخذ معن تعليمات من المالكي بدعاية هذه الجملة، أم أن المالكي سمعها من على \"آفاق\" عدّة مرات وظلّت ترنّ في أذنه.
كل كلمات السياسيين في المحصلة تعبر عن حالة الفصام الذي نعيشه، يتحدّثون عن الإعلام وحريته، وفي العاصمة نفسها يدهم مكتب قناة فضائية للمرة الثانية. إنه فصام \"خطير\".