رأي

الغراف.. يخنقه الإهمال وتقطع شراينه تركيا وإيران!

الغراف.. يخنقه الإهمال وتقطع شراينه تركيا وإيران!

علاء اللامي

 إنه أقدم نهر اصطناعي أنجزه الرافدانيون القدماء في عهد أنتيمينا ملك مدينة لكش الجنوبية قبل أكثر من أربعة آلاف عام (حكم هذا الملك في فترة 2400 ق م، وهو ملك سومري من سلالة لكش الأولى وهو ابن إينأنا توم الأول.  فبعد نزاعات مريرة مع مملكة أومّا شمالها على مياه نهر الفرات القديم الذي كان يمر في المنطقة عصر ذاك، وتحديدا على مياه الراضع "الفرع" الذي يتفرع منه ويتجه نحو لكش واسمه "ترونغال" والذي كان عرضة للقطع من قبل سلطات مملكة أومّا قديما لجأت ملك لكش إلى حل المشكلة على طريقته: نعم، كانت هناك صراعات بين مملكتي لكش وأومّا على مياه ذلك الراضع من نهر الفرات القديم، حيث كانت أوما فهي تقطع المياه بين الحين والأخر عن لكش، وتنشب الحروب والنزعات المسلحة التي استمرت كما يقول البعض قرنا كاملا|. وفي عهد الملك أنتيمينا تم توقيع معاهدة صلح مع مملكة أومّا بواسطة ملك مدينة كيش الذي يحمل اسما لافتا هو "مسيليم" فكانت هي الأولى من نوعها في العالم القديم، ولكن تجاوزات سلطات أوما استمرت فاضطر ملك لكش أنتيمينا لاحقا الى حفر نهر جديد إلى لكش بعيداً عن أومّا، فجلب الماء بواسطة هذه القناة من نهر دجلة، وهذا ما يسمى بنهر الغراف، وهو يعد أكبر وأقدم مشروع إروائي في تاريخ العراق القديم. وفي التخطيط له وإنجازه استخدمت أفكار هندسية في شق هذا النهر من خلال الانحدارات والمناسيب والزوايا، كما يقول الخبير الآثاري عامر عبد الرزاق.

 

نهر الغراف اليوم، يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليس فقط بسبب قلة وارد المياه من دجلة بسبب سدود ومشاريع تركيا وإيران، بل أيضا بسبب الإهمال الحكومي العراقي وعدم كري النهر وتنظيفه دوريا من الترسبات وعدم تبطين مجراه وتقليل نسبة التبخر والتسرب من مياهه. علما أن مياه هذا النهر مهمة جدا لسكان عدة مدن تستقي منه مياه الشرب ومنها الشطرة والناصرية والغراف والرفاعي والنصر والحي وصولا الى البصرة عبر قناة البدعة الشهيرة إلى جانب عشرات القرى على ضفتيه. إن ملايين الناس مهددون بالعطش وانهيار الزراعة في هذه المنطقة الخصبة الرسوبية التي تشكل قلب السهل السومري العتيق وأرض السواد. والمثير للاستهجان والغضب أن السلطات الحكومية عمدت الى حلول ترقيعية وبالقطارة، ولولا خوف الحكومة الفاسدة من انقطاع مياه الشرب عن مدن الشطرة والناصرية والبصرة الذي يستجلب من هذا النهر في قرية البدعة وما قد يحدثه ذلك من انفجار اجتماعي هائل لما بادرت السلطات الحكومية - متأخرة كعادتها -الى كري النهر قبل فترة قصيرة وببطء شديد، بدلا من ايجاد حل جذري يتمثل في الكري الدوري وتبطين قاع النهر، ومطالبة تركيا وايران بإطلاق حصة العراق العادلة من المياه بما يتناسب مع طول النهرين المارين به واللذين استمد اسمه التاريخي ما بين النهرين أو الرافدين وبالآرامية "بين نهرين" وفي الاغريقية "متسوبوتاميا" وعقد معاهدة دولية ملزمة بهذا الخصوص مع الدولتين "المسلمتين" المجاورتين.

 

المثير للعجب هو ان السلطات الحكومية التي تركت نهر الغراف يختنق بالطين والغرين لعدة سنوات كانت قد صرفت مليارات الدنانير لتشييد جسر لمرور السيارات على النهر وعلى مسافة عشرات الامتار من جسر الناظم القديم الذي شيد في عشرينات القرن الماضي. كما شيدت الحكومة ناظما جديدا على الراضع "شط الشطرة" الذي يوصل مياه الغراف الى الشطرة بأربعة بوابات / الصورة، علما ان الناظم القديم مزود ذات العدد من البوابات ما يزال مستعملا بشكل طبيعي كما شاهدته بعينيّ، ويمكن ترميمه بمبلغ بسيط، وعلما أن مياه هذا الراضع الذي يشطر المدينة ومنه جاء اسمها "الشطرة" أصبحت غير صالحة للشرب وتستعمل للزراعة فقط وبحدود دنيا كما قيل لي.

 

فائدة لغوية 1: الرافد هو نهر صغير يرفد نهراً أكبرَ بالمياه ويصب فيه، والراضع هو فرع من نهر يأخذ المياه منه. وعليه فالغراف راضع من دجلة والزاب الأعلى مثلا رافد يصب فيه.

 

فائدة لغوية 2: شيء اصطناعي أي مصطنع، من عمل البشر، فنقول نهر اصطناعي وقمر اصطناعي، أما الشيء الصناعي فهو المخصص للصناعة فنقول نهر أو قمر صناعي وآخر تجاري وثالث زراعي.

 

*الصور المرفقة: صورتان لنهر الغراف المختنق بالغرين وثالثة لترعة آسنة المياه تتفرع منه ورابعة للناظم الجديد الذي لا ضرورة له على شط الشطرة، وخامسة لسد ناظم البدعة لاحظ الخط الأبيض على جدار الناظم الذي كانت تصل إليه المياه من قبل، جميع الصور بعدستي قبل بضعة أيام. رابط لمشاهدة الصور على صفحتي على الفيسبوك:

 

 

https://www.facebook.com/allamialaa

 

*رابط يحيل الى كتاب "جوانب من الخدمات في مدن العراق القديم: دراسة تاريخية" تأليف ياسر علي هاشم الحمداني/ ص 44 وما بعدها:

 

https://books.google.ch/books?id=tpZ9DwAAQBAJ&pg=PA45&lpg=PA45&dq=%D9%86%D9%87%D8%B1+%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81+%D9%84%D9%83%D8%B4+%D9%88%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A7&source=bl&ots=AX6PvrIwSw&sig=ACfU3U0--vRU7qw2-gd4QrCOHSR7xoRnzg&hl=fr&sa=X&ved=2ahUKEwjE46j3vcL0AhVDy6QKHSSlDC8Q6AF6BAgSEAM#v=onepage&q=%D9%86%D9%87%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%20%D9%84%D9%83%D8%B4%20%D9%88%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A7&f=false

 

*رابط لفيديو حول آخر المكتشفات في آثار مملكة أومّا التي دخلت في نزاع على المياه مع مملكة لكش فكان ذلك دافعا لشق مشروع قناة راضع الغراف قبل أكثر من خمسة آلاف سنة. عذرا سوء تسجيل الصوت من المصدر.

 

https://www.facebook.com/643853789114009/videos/142088847208976/?app=fbl

مقالات أخرى للكاتب