رأي

تاريخ ملطخ بالد..وندرمة

تاريخ ملطخ بالد..وندرمة

محيي الأشيقر

تقول الحكاية المتلفزة بصورت سكرتير الرئيس الأفغاني الهارب، أشرف غني: إنه كان في طريقه لمطار كابل، للحاق بالرئيس وجماعته، لمغادرة البلد "فإذا بهاتفي يرن، والمتصل من الدوحة، يطلب مني: سلم القصر لحركة طالبان. إستدرت، وعدت للقصر، وسلمت الموجود للأخوة في حركة طالبان الإسلامية"

 

بهذه الطريقة شرح السكرتير المصون لحظة تسليمه القصر الجمهوري، وهو يجلس وسط جماعة من المسلحين، أمام مراسل وكاميرا الجزيرة مساء 16 آب 2021.

 

ذكرتني حكاية السكرتير، ومكالمة الدوحة، بالكثير من حقائق ومرويات وأوراق وسير ووثائق تخص هذه الحادثة أو ذلك الإنقلاب أو تلك المذبحة، مما جاور أو إستتبع حكاية بلد مثل العراق أو أفغانستان أو ما جاورهما.

 

وهذان البلدان، العراق وأفغانستان، يشتركان بالكثير من الإبتلاءات: من فاجعة ثرائهما غير المسبوق، بما يمتلكانه من ثروات طبيعية كمعدن الليثيوم عنصر الطاقة المستقبلي. وأفغانستان هو البلد الأول من حيث احتياطيات كوكب الأرض، والعراق هو الآخر صاحب الإحتياط الأكبر من البترول، إلى وقوعهما على خط زلازل وزناخات الحرب الباردة، ونذالات المارقين الكبار والصغار، إلى فجاجات ودونية من تسلطوا على يوميات حياة البلدين، وصولا لتحويلهما إلى عنبارين حقيقيين لجماعات الإرهاب والقتل والفكر الميت.

 

مع ذلك ستترك الشائع والمعروف وهو كثيييييير بينهما، ونقف عند مقطع شهير صُمم وجرت رعايته ببراعة على الركح العراقي بين ثنايا العقود الستة الأخيرة، لا يبعد كثيراً عن الحكاية الطالبانية من حيث إنحطاط الحاضر.

 

في العام 1963 استلم البعثيون نظام الحكم بإنقلاب شهير، ذاع صيت دمويته وضحاياه، وما ترتب عليه لتسعة أشهر، ثم غابوا عن المسرح لخمسة أعوام.. وفجأة عادوا، أو جرت إعادتهم ثانية في تموز 1968.

 

تنسب لأحد الزعامات التاريخية لحزب البعث – علي صالح السعدي – العبارة الشهيرة "نحن قدمنا أو لحقنا أو ركبنا بالقطار الأمريكي كي نحظى بالسلطة". كثيرون ينفون مثل هذه العبارة، وكثيرون يؤكدون صحتها ونسبتها لصاحبها "مثلا، شهادة المعارض المعروف البروفسور طالب البغدادي، بإعتباره كان حاضراً عند رواية السعدي، في جلسة بمدينة براغ – برنامج تلك الأيام" والأمر في كل الأحوال، وفي مثل هكذا وقائع ومنعطفات يحمل الكثير مما قيل ويقال.

 

(والوثيقة – الرواية) الجديدة، هي ما إتفقت عليه أمريكا منذ أيار 2020 مع طالبان "شرط عدم التعرض لجنودنا، ونحن ننسحب "حسب بايدن، مقابل عودة طالبان السلسة الجديدة للسلطة في آب 2021 بعد سقوطها في خريف 2001".

 

مفارقات وغرائب وحقائق تذكر بنهاية شريط سينمائي دعائي سمج، أو بداية كتاب تأريخي ملفق.

 

وعلى ذكر شريط السينما، ثمة واحد كان يبث في محطة التلفزيون العراقي في سبعينات القرن الفارط، بعنوان "الثرى والثريا" وهو يتحدث بزهو وشماته معاً عن لحظتي قدومهم وتسلمهم للسلطة لمرتين 1963 و1968.

 

يذكر رجل دين عراقي منذ أيام وهو يعلق بسعادة ودهشة على العودة الميمونة الثانية لطالبان، بقوله إن من ملامح "التغيير والحداثة في سلوك حركة طالبان هي: تناولهم للأيسكريم وقيادتهم لسيارات الألعاب الكهربائية في مدينة ألعاب في كابل" راجع اليوتيوب.

 

يقول أحد حضور مجلس المعمم المذكور، أن ثمة مستمع كان يجلس بجانبي، وهو يشخبط على ورقة بيده، سألني: تتذكر من قال أن التاريخ يعيد نفسه..

 

قلت له:

سبينوزا؟ - لا أخي.

فريد الأطرش؟ - ما معقولة!

جعفر لقلق زاده؟ - لا.لا.

كارل ماركس؟ ما مهم أخي.. وموت يكرفه "مرة ثانية"، وهو يحب العودة الثانية، ويكرفني ويكرفك والحضور الكريم.

 

قالها، مغادراً المكان، وهو ينفض دشداشته من رماد سيكارته، ومن التاريخ اللي يعيّد على الناس وهم في مأتم!

 

مقالات أخرى للكاتب