رأي

وثيقة "الحوار الوطني" تكرار ممل لوثائق بائسة سابقة

وثيقة "الحوار الوطني" تكرار ممل لوثائق بائسة سابقة

علاء اللامي

وثيقة "الحوار الوطني" الجديدة التي بشر بها مقتدى الصدر؛ تكرار ممل لوثائق بائسة سابقة قدمتها أحزاب الفساد والتبعية بتوجهات ومضامين أميركية صريحة مصوغة بأسلوب هزيل! نُشرت قبل يومين على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد ساعات من نشر فيديو خطاب السيد مقتدى الصدر الذي تراجع فيه عن قراره بمقاطعة الانتخابات المبكرة في شهر تشرين الأول القادم، نُشرت وثيقة تحت عنوان "وثيقة الحوار الوطني" مؤلفة من خمس وريقات وهي مؤرخة في 25- 26 آب الجاري، وأرجح أن تكون هذه الوريقات هي الوثيقة التي تحدث عنها الصدر في خطابه وقال إنها أقنعته بالعدول عن المقاطعة. هذه قراءة سريعة فيها:

 

*تبدأ الوثيقة بعبارة عجيبة غريبة تكشف عن المستوى الفكري الهزيل الممزوج بالحذلقة اللغوية البائسة لدى كاتبها فتقول معرفةً العراق إنه "دولة وطنية تاريخية"! تلي هذه العبارة عبارات أخرى لا تقل عنها بؤسا إنشائيا وفراغا مضمونيا حشرت فيها عبارات التمجيد والإطراء "للمسار الديموقراطي الذي اختاره شعبنا عبر الدستور" وللانتخابات كوسيلة للتعبير الديموقراطي"! فكيف اختار شعبنا ذلك، والاحتلال الأميركي وعملاؤه المحليون هم الذين كتبوا الدستور وقرروا قواعد النظام الطائفية العرقية "المكوناتية" كما وردت في سبع مواد من هذا الدستور، وأداروا عدة دورات انتخابية مزورة النتائج ونسب المشاركة باعتراف بعض أقطاب النظام؟ وهل المشاركة في الانتخابات التي لم تتجاوز نسبة العشرين بالمائة هي دليل على احتضان الشعب لهذه التجربة البائسة التي مزقت الشعب والدولة أرضا وبشرا وخلقت على الأرض وفي النفوس ثلاث دويلات في الشمال والغرب والجنوب؟

 

*تصف الوثيقةُ الدستورَ الحالي بأنه "الوثيقة التي ارتضى بها الجميع كإطار حاكم وعادل لتنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والشعب"، قافزةً على حقيقة أن هذا الدستور هو دستور ملغوم وهو سبب البلاء الأكبر في المأساة العراقية، فما الدليل على أن الدستور ارتضى به الجميع إذا كان المقصود بالجميع الشعب العراقي؟ هل هو الاستفتاء المسلوق والهستيري الذي أجري على عجل وبدفع من الفتاوى الدينية من المراجع الذين سكتوا على الاحتلال الأميركي ولكنهم سارعوا لدعوة جمهورهم للتصويت للدستور المكوناتي الاحتلالي؟ أما إذا كان المقصود بالجميع هم جميع قيادات أحزاب الفساد واللصوصية فالأمر صحيح قطعا! ثم إذا كان الدستور مرضيا عنه من قبل الجميع، فما الحاجة للمطالبة بتعديله كما تطالب الوثيقة في الفقرة نفسها؟ وهل جاءت الوثيقة بأي جديد في هذا الصدد؟ أليست عمليات المراجعة والتعديل الدستوري مستمرة في عدة دورات منذ 2006، ولكن بأيدي الفاسدين أنفسهم؟ وهل يمكن تعديل دستور سنَّ في عهد الاحتلال العسكري الأميركي المباشر تعديلات هامشية وترقيعية، أم ينبغي إعادة كتابته جذريا من قبل جمعية تأسيسية ومتخصصين دستوريين؟

 

*بخصوص وجود قوات الاحتلال الأميركية وغير الأميركية وتنفيذ قرار السلطة التشريعية بإخراجها تكرر الوثيقة - حرفيا تقريبا- السفاسف التي وردت في البيانات السفارة الأميركية واللقاءات التي أجراها الكاظمي ووزير خارجيته مع الجهات الأميركية خلال سهرات الحوار الاستراتيجي والزيارات الرسمية، فتقول الوثيقة "تلتزم الحكومة ومجلس النواب القادمين (الصحيح لغةً؛ القادمان) بالسقوف الزمنية لإنهاء التواجد (الصحيح لغةً؛ الوجود، لأن التواجد هو إظهار الوجد الصوفي) الأميركي في العراق". هنا يسكت كاتب هذه الوثيقة عن الوجود العسكري التركي والغربي الحليف لأميركا، ويكرر عبارة " الوجود القتالي" وكأن هناك قوات عسكرية أميركية مهمتها الرقص والغناء ورمي الزهور على العراقيين وليس القتال والقصف بنيران عدوة تارة وصديقة تارة أخرى!

 

*في الفقرة الخامسة، ثمة لغو إنشائي طويل عن العراق "الحر السيد صاحب القرار وضرورة إبعاده عن الصراعات الإقليمية وتحويل أراضيه الى ساحة للعدوان على الغير" -في تكرار ممل لبيانات السفارة الأميركية وأحزاب النظام الفاسدة- وعن دور البعثات الأجنبية الدبلوماسية، ولكن ليس ثمة كلمة واحدة عن الاحتلال الأميركي والهيمنة الأميركية على السياسية والاقتصاد والأمن والتعليم والثقافة وعن السفارة الأميركية التي هي عبارة عن قاعدة وقلعة عسكرية ضخمة مدججة بالسلاح الثقيل وحتى بمنظومات صواريخ متطورة!

 

*أما الفقرة الثامنة فقد خصصها محرر الوثيقة لضرورة تجريم ظاهرة حمل السلاح وخص بالذكر السلاح التي تحمله "العشائر والمجموعات المسلحة والفصائل والكتل السياسية" والمقصود هنا أكثر من غيره سلاح المناهضين للوجود الأميركي بصرف النظر عن رأينا بمقدار جديتهم ودوافعهم، ومعروف أن تجريد مناهضي الهيمنة الأميركية في العراق من سلاحهم هي الأمنية الغالية والهدف الأول للمحتلين الأميركيين والكيان الصهيوني وعملائهم. وكأن هذه الفقرة هي قلب الوثيقة وهدفها الأهم ولم يتعب كاتبها نفسه حتى بربط نزع السلاح غير الحكومي بانسحاب قوات الاحتلال وإنهاء الهيمنة.

 

*طالبت الفقرة التاسعة "بمنع وتجريم الخطاب الطائفي أو العنصري وفق قوانين واضحة ونافذة" وهذه المطالبة عبارة عن حيلة تلفيقية للالتفاف على مطلب تجريم ومنع الطائفية السياسية في الحكم صراحة، ومنع تشكيل الأحزاب والكيانات السياسية على أساس برامج وأهداف ومرجعيات طائفية، كما سكتت الوثيقة عن الدستور المكوناتي الذي يبيح تشكيل هذه الأحزاب ويشرعن هو نفسه المكوناتية السياسية الطائفية والعرقية في العراق!

*تنادي الفقرة العاشرة من الوثيقة "باحترام التنوع الديني والقومي والمذهبي في العراق واعتباره مصدر قوة لخصوصية شعبنا"، ولا اعتراض على احترام التنوع الديني والقومي والمذهبي فهو أمر بديهي، ولا يحتاج إلى وثائق وقوانين، ولكن المطلوب وبإلحاح هو إعلاء شأن الهوية الوطنية الرئيسية العراقية لتحقيق الاندماج المجتمعي الحقيقي على أساس المساواة بين المواطنين العراقيين لا بين أفراد في طوائف وعرقيات متنافسة، وليس المطلوب التغني بالهويات الفرعية الطائفية والإثنية واللغوية والمذهبية بحجة احترام التنوع فهذه الحيلة لم تعد تنطلي على أحد بعد إقامة وترسيخ حكم التوافق الطائفي واقتسام ونهب ثروات العراق من قبل ممثلي المكونات في أحزاب ومليشيات الفساد.

 

يجب الخروج من هذه الثرثرة عديمة المضمون بتكريس مادة دستورية وقانونية تحرم وتجرم الطائفية السياسية والعرقية والمذهبية تماما وتحظر الكيانات السياسية التي تقوم على أساسها وإعلاء شأن الهوية الوطنية الرئيسية العراقية واعتبارها هي الأصل في نظام يقوم على أساس المواطنة.

 

*أما في باب مكافحة الفساد الذي ينخر الدولة بكل مؤسساتها فالوثيقة تثرثر وتكرر مبادئ ومطالب عامة ومحدودة سبق وأن طالب بها كل المتهمين بالفساد بل حتى من أدينوا منهم وحكم عليهم ثم أفرج عنهم لأسباب معروفة وتتعلق بالفساد أيضا. فالوثيقة تطالب مثلا بتشكيل لجنة عليا أخرى للتدقيق في قضية "مزاد العملة" وهي من أكبر ملفات الفساد ونهب المال العام في العراق، أو تطالب بمنع "التدخل الحزبي في مؤسسات الدولة وملاحقة ظاهرة الشركات الحزبية"، فكيف ستكون النتيجة إذا أنيطت هذه المهمة بأكثر الأحزاب فسادا وبأكبر الأحزاب شركات وتدخلا في مؤسسات الدولة؟ إن هذه الوثيقة البائسة الخطرة هي تكريس للفساد الشامل وهي خلاصة البرنامج والمشاريع التي وضعتها الولايات المتحدة الأميركية لإدامة تدمير وتفكيك وشل العراق دولة ومجتمعا، وتكريس بقائه كدولة منزوعة السلاح والصناعة والزراعة تعيش على استيراد الغذاء بعائدات النفط.

 

*إن هذه الوثيقة لا تصل حتى إلى مستوى بعض الأوراق والوثائق والتصريحات التي تزعم الإصلاح التي قدمت في السنوات الماضية من عمر النظام، ومنها تصريح نوري المالكي - الخصم السياسي والنفسي لمقتدى الصدر والسبب الأول الذي دعاه للتراجع عن مقاطعة الانتخابات بعد زيارته - زيارة المالكي- لأربيل ولقائه مع مسعود البارزاني الذي فُهِمَ منه احتمال قيام تحالف سياسي وانتخابي بينهما- فالمالكي نفسه صرح قبل بضعة سنوات بما معناه أن "نظام الحكم القائم في العراق فشل فشلا ذريعا في حكم العراق وبناء دولة مؤسسات وقانون، وأن النخبة السياسية التي تديره فاشلة كلها وعليها الرحيل وترك المكان للجيل الجديد من العراقيين"؛ وحين سئل المالكي "وهل أنت من هذه النخبة أجاب : نعم بمن فيهم أنا"! وكنت قد نشرت هذا الفيديو لكلام المالكي في حينه ومعروف أن تصريحات المالكي هذه جاءت في وقتها للاستهلاك المحلي لا أكثر ونتاج لفقاعة صحوة ضمير مؤقتة وسريعة، حيث عاد صاحبها بعد أيام إلى المشاركة في إدارة نظام الفساد والتدمير والتبعية وبشكل أقوى وأنشط من السابق! والحال، فإن الحل الحقيقي والإصلاح والتغيير الحقيقي يبدأ برحيل هذه النخبة الفاسدة المفسدة بكل أسماء أشخاصها في الصف الأول والثاني والثالث وبإنهاء العملية السياسية الأميركية وإطلاق عملية سياسية عراقية تبدأ بإعادة كتابة الدستور من قبل جمعية تأسيسية جديدة بعد إخراج القوات العسكرية الأجنبية وإنهاء الهيمنة والتدخلات الإيرانية في الشأن العراقي كمقدمة لبناء دولة حقيقية في العراق وإنقاذه وطنا وشعبا من التفكك فالزوال، وإلا فلا حل في الأفق.

ولاحل إلا بحلها.

 

 

مقالات أخرى للكاتب