رأي

موعد مع الإمبريالية

موعد مع الإمبريالية

د. مظهر محمد صالح

مر العام 2009، والبلاد تتعرض إلى أكثر من موجة ترابية عاصفة في الأيام السبعة من أسابيع الشهر الواحد، وأمست السماء تحمل ضبابا عابثاً، ما دفع الأمة العراقية إلى التحري عن النظريات البيئية، عسى أن تجد تفسيرا لهذه الظاهرة المناخية الشديدة العسر، والجميع يجزم بان إرادة السماء لا تخلو من حكمة في إثارة العواصف الترابية، ولا تخلو من قسوة، وإن هذه القسوة لا تلطفها إلا عاصفة مضادة لها.

 

والحصيلة هي تعطل الرحلات الجوية، من وإلى البلاد، فتحدثت بعض نظريات البيئة عن تصحر البلاد الناجم عن شحة الأمطار وقلتها، في حين ذهب المحللون اللوجستيون إلى أن انسحاب القوات الأمريكية من مدن العراق، واللجوء إلى الصحراء، و اللهو فيها بآلياتهم العسكرية العملاقة عبثاً، لإضاعة وقتهم الذي خلا من الجدية هذه المرة، كان هو السبب وراء هذا الضباب المهلك. لا ندري!

 

اضطررت إلى أن أغادر واحداً من مطارات الشرق الأوسط، لكي أصل إلى بلادي، في وقت ما زال الناس يعيشون صراعاً فكرياً لتفسير عواصف صحارينا، فإذا كانت الرياح جنوبية شرقية قالوا مصدرها صحراء الديوانية، وإذا كانت شمالية غربية أجابوا إن مصدرها صحارى نينوى.

 

وبين هذا وذاك، لم أجد متسعا للوصول إلى بغداد جوا إلا على ظهر طائرة قادمة من إحدى مدن شرق المتوسط، تسمى (الخطوط الجوية الإمبريالية).

 

قلت في سري: لا منقذ، اليوم، من محنتي إلا الإمبريالية، لما تتمتع به من قوة، وغطرسة، وتحديات، تحدث عنها التأريخ والاقتصاد السياسي للرأسمالية بكونها أعلى مرحلة من مراحل الرأسمالية، حسبما أفادنا قائد ثورة أكتوبر الروسية، فلاديمير لينين، في تحليله للمرحلة التأريخية المتقدمة للرأسمالية، التي تلت الحرب العالمية الأولى، على وفق منطق المادية التأريخية، وهي مرحلة تركز الإنتاج، وتقاسم ثروات العالم وأسواقه، وإعادة تصدير رأس المال.

 

وذكرني الأمر، أيضاً، بكتاب هوبسون، الاقتصادي والصحفي البريطاني الشهير، المنشور عام 1902 في نيويورك، باسم (الامبريالية)، وكتاب الاقتصادي النمساوي، هلفردنغ، الصادر عام 1910، تحت عنوان (رأس المال المالي).

 

وقد عُرفت الامبريالية، في هذين الكتابين، بأنها مرحلة الاحتكار في تأريخ تطور الرأسمالية، التي يندمج فيها رأس المال الصناعي برأس المال المصرفي، وتضمحل عندها المنافسة الرأسمالية الحرة، وهي المرحلة التي وصفها لينين، كما نوهنا، بأنها أعلى مراحل الرأسمالية.

 

كانت طائرة الخطوط الجوية الامبريالية، المتوجهة إلى بغداد، في غاية الدقة في مواعيدها، ومريحة بخدماتها.

 

والأهم من ذلك أنها لم تأبه بعاصفة الصحراء، لدواع قد تكون إمبراطورية، لكون العمل من جنس الأصل. لا أدري!

 

أخذتني عواصف أفكاري وصراعاتها، وأنا على متن هذه الطائرة، إلى أزمنة ستينيات القرن الماضي، وما قبله، أزمنة الجيل الصاعد، الذي كان يخطو خطوات راسخة في سبيل الحقيقة، ليكون مثالاً، يعيش مناخات الرهبانية في العمل السياسي، والنزاهة في الحكم على قوانين الحياة، والاستعداد التلقائي للنظرة الإنسانية الشاملة، بإزاء زمن لاحق، لم يستطع فيه التفوقُ العلمي أن يحل محل الانتهازية في قلوب الأجيال الجديدة، إلا ما ندر، فقبل خمسة عقود، وفي لحظات إنسانية وحضارية رائعة من عمر الشباب والبحث عن المجهول في الإنسانية المعذبة، تقاذفتني الرياح والعواصف السياسية، لأنضم إلى واحدة من الحركات السياسية، التي كانت تحاكي طموحات الشغيلة والطبقة العاملة وتحمل إيديولوجيا وطنية ذات مسحة ماركسية، وكانت فصيلاً منشقاً من بعض الحركات القومية.

 

يومها، تعرضت الأحزاب السياسية كافة إلى موجة انشقاقات لم يسبق لها مثيل في تأريخ الحركة السياسية العراقية، وبدون استثناء. وبين اليمين واليسار، كان نصيبي واحداً من أجنحة اليسار.

 

في العام 1967، كلمني المسؤول عن التنظيم عبر الهاتف، بعد انقطاع دام أكثر من شهر، وكانت تعلو صوته ابتسامة، وهو يعتذر، في الوقت نفسه، عن الانقطاع، منوهاً بأن (حسن)، المسؤول الأعلى، تعرض إلى وعكة صحية، انتهت به إلى صالة العمليات، في الطابق الثامن أو التاسع في مدينة الطب، وهو المستشفى الذي كان قد افتتح حديثاً.

 

انشغل الجميع بما ألمّ بحسن من ظرف طارئ، عطل عمله النضالي، ولاسيما في صفوف الطبقة العاملة الصناعية، التي كان ينتمي إليها. قلت لصاحبي، المسؤول الذي كنا نلتقي به دورياً، ليسرد لنا، على عادته، صفحات من كتاب (المادية التأريخية)، وكانت رؤوسنا تهتز بحماس، حتى وإن كان فهمنا لتلك الفلسفة الشاقة جزئيا، قلت له: أخبرني ماذا حل بحسن؟ أجابني قائلاً: اطمئن، أُجريت له عملية جراحية ناجحة، ثم ابتسم ثانية وقال: الغريب في الأمر أنه عندما بدأ مفعول المخدر يغادر حسن في مشفاه، أخذ حسن يهذي، وهو يتألم، بعبارات قوية معادية للامبريالية العالمية.

 

قلت لصاحبي: وما هي العبارات التي رددها حسن أثناء ذهاب أثر المخدر عنه تدريجيا؟ قال: ردد، وبالحرف الواحد، ولأكثر من مرة: سيموت حسن، وتفرح الإمبريالية بموته.

 

ابتسمنا، أنا وصاحبي، ولم يمت حسن، ولم تفرح الامبريالية يومها.

 

ولكن، مع تلك الابتسامات، انتهت الحركة العمالية العراقية، واضمحلت تنظيماتها السياسية مباشرة، بعد أن خذلها الانتهازيون، وصادر الريعُ النفطي نضالاتها بالإنابة عن الامبريالية.

 

بعد خمسة عقود من الكفاح الإنساني، ونحن نتدثر بالحياة والبحث عن الإرادة التي هي أسمى من الحياة نفسها، حطت بي أرجلي في العام 2007 في الطابق الثامن أو التاسع من بناية مطلة على شارع بنسلفانيا في العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث يستقر مكتب المحاماة الدولي المكلف بمتابعة تسوية إرث المديونية الخارجية الرسمية للعراق.

 

شخصياً، عهدت مثل هذه الاجتماعات الفنية العالية المستوى ولمرات عدة في السنوات الماضية، إذ يجلس أمامك على الطاولة في ذلك المكتب القانوني الجاد ممثلون عن كبريات المؤسسات المصرفية العملاقة في العالم لتستعرض تقاريرها المكلفة بها.

 

وكنت أكلم نفسي في هذه المرة: إن تلك المصارف التي هي أمامي مع عدد آخر مماثل أو أكثر تمتلك اليوم لوحدها 37 % من الدين الحكومي أو الدين العام الأمريكي الذي بات مقداره يقترب من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة نفسه.

 

يارب، ما هذه السطوة المالية القوية إذن؟ إنهم حقا أساطين المال!

 

قدم كبير المحاميين الدوليين والحاضرين من ممثلي كبريات المصارف الدولية المكلفة بتسوية مديونية العراق وعلى وفق اتفاقية نادي باريس التي جرى توقيعها في العام 2004، استعراضا عن المنجزات التي قاموا بها وما هو المطلوب عمله في المرحلة المقبلة.

 

شاءت المصادفة الموضوعية في هذه المرة، أن تجلس إلى جانبي شخصية مصرفية عراقية رائعة وهو يشاركنا حضور هذا النمط من اللقاءات للمرة الأولى في هذا المكان من شارع بنسلفانيا في العاصمة واشنطن، واسمه حسن أيضا.

 

بعد برهة من الاستماع استفزه الحديث بكثافته المالية التحليلية العالية، ليقول لي، وببضع كلمات، وبلهجته البغدادية الجميلة: من هم هؤلاء؟ كررها ثلاث مرات، فالتفتُّ إليه مبتسماً، وأنا أتذكر حسن الأول في مدينة الطب في الطابق الثامن أو التاسع من العام 1967، فما كان علي إلا أن أُجيب حسن الثاني، هامسا بإذنه، بعد أن تذكرت شخصيا حادثة حسن الأول: إنهم الإمبريالية العالمية.

 

أجابني بابتسامة، وسكت، وهو يمد بصره إلى طريق لانهاية له.