رأي

لنفسخ العقد الاجتماعي

لنفسخ العقد الاجتماعي

امجد طليع

السياقات المتبعة في ابرام عقد اجتماعي وفق المفاهيم السياسية تبدأ ببساطة بعقد جلسة صلح بين اطراف متنوعة من المجتمع متخاصمة او مختلفة تمثل توجهات سياسية او قومية او مذهبية او دينية في ذلك المجتمع هدف جلسة الصلح التي تجمعهم هو الاتفاق على اساسيات تضمن لكل طرف حقوقه وحرياته من اجل ان ينتقل البلد الذي تعيش فيه هذه الاطراف من الفوضى اوالاستبداد او كليهما الى حالة من الاستقرار تتضح فيها صورة نظام الحكم وتحدد هويته، وحتى يكون هذا العقد الاجتماعي وثيقة ملزمة لكل الحاضرين في جلسة الصلح يحولون التفاهمات الشفهية التي توصلوا اليها الى صيغة مكتوبة على الورق وهذا الورق المكتوب ينتقل الى مرحلة اخرى من الاتفاق والذي يجب أن يتم بين الاطراف التي كتبته والشعب بصورة عامة ويعرف بالدستور وبموجبه يقبل عامة الناس بالتنازل عن جزء من حرياتهم وحقوقهم للسلطات الحاكمة من أجل ادارة الدولة، لذلك يتم استفتاء المواطنين على قبوله او رفضه.

 

إذا ماذا لو رمينا هذا التفصيل المبسط على العقد الاجتماعي في العراق المبرم عام 2005 من اجل تقييمه والتحقق من مدى الالتزام ببنوده؟

 

ووفقا للفقه القانوني فان العقد شريعة المتعاقدين أي أن ما ورد من شروط في العقد يعد قانونا يسري على الطرفين المتعاقدين (الشعب+ الاطراف المساهمة في صياغة الدستور)، ان افترضنا ان العقد الاجتماعي يسري عليه ما يسري على الانواع الاخرى من العقود ومن لم يلتزم به يعد خرقا لصيغة العقد والخرق هذا هو اخلال بالاتفاق او بمعنى ادق فشل الاتفاق وفي حال فشل طرف في تنفيذ الاتفاق فان الطرف الاخر لم يعد ملزما به، ومن هذا المبدأ فاننا كعراقيين اتفقنا مع اطراف كتبت الدستور وتنازلنا عن حقوقنا وحرياتنا لهم من اجل ادارة الدولة منذ 17 عام تقريبا ومن حقنا ان نعييد تقييم اتفاقنا ونحدد نسبة الالتزام به ومستوى ايفاء الطرف الاخر بالتزامته لنحدد استمرارنا بهذا الاتفاق من عدمه (العقد الاجتماعي وما انتجه من دستور).

 

وبالعودة الى ما بدأنا به المقال وتطبيقه على الجماعات التي اتفقت او توافقت على العقد الاجتماعي العراقي فاننا سنتوقف عند اربع محطات من مسيرتها مع الدستور كمقياس للالتزام بين الطرفين واغلبها محطات مفصلية وفي حال تاكد للشعب أنها لم تلتزم من جانبها بالاتفاق، فيحق له اسقاط هذا الاتفاق وتهيئة الاجواء للاتفاق على عقد اجتماعي جديد يؤسس لدستور ديمقراطي حقيقي مقدس لا يسمح بخرقه، ويضمن حقوق كل فرد عراقي بغض النظر عن عرقه او قوميته او دينه او انتمائه، يصيغه ممثلون فعليون للمجتمع واطيافه بفلسفة ترسخ مفهوم المواطنة كقيمة حضارية للجميع وينتج حكما قائما على التمثيل الحقيقي للناخبين.

 

وقبل الخوض في هذه المحطات لابد من استذكار اجواء الاتفاق على العقد الاجتماعي، حيث ان الجماعات التي وضعت اساسيات العقد الاجتماعي في العام 2005 وما سبقها من مؤتمرات خارج وداخل العراق لم تكن متفقة وليس بينها ادنى درجات التفاهم وانما كانت متخاصمة حد الرغبة بالتقاتل وهذا يسقط شرط من شروط اهليتها في الاتفاق على عقد اجتماعي بحسن نية يراعي مصالح جميع المكونات وانما اتفق عليه وفق قاعدة القوي يأكل الضعيف كما انها كانت تحابي القوى الاجنبية المتواجدة على الارض التي تلعب دورا مفصليا في تاسيس النظام الجديد انذاك وايضا عملت القوى التي اتفقت على العقد الاجتماعي على مغازلة المجتمع الدولي لتظهر انها قوى ديمقراطية تؤمن بالتعددية وحرية الراي وحماية حقوق الانسان والتبادل السلمي للسلطة وهذا عكس ما تخفي كونها بالاصل قوى ايدلوجية بعضها متطرف عقيدتها تتقاطع مع حقوق الانسان وحرية الراي وحرية المراة والتبادل السلمي للسلطة وهذا يسقط عنها شرط الوطنية كونها راعت رغبات دول اخرى على متطلبات الشعب والوطن والاهم من ذلك كله مسالة شروط تعديل الدستور التي وضعها المتخاصمون تكشف عن معاناتهم من فقدان ثقة مزمنة عملوا على نقلها الى المجتمع عندما منحوا لكل ثلاث محافظات حق الفيتوا على اي تعديل يمكن ان يحتاجه الدستور لظروف زمانية او مكانية في مصادرة واضحة لاحقية الاغلبية في تعديل دستور تسببت عيوبه اليوم بكوارث على الوطن والمجتمع الا ان ثلاث محافظات بعينها سترفض تعديل هذا الدستور حتى وان احترقت المحافظات الـ15 الاخرى وهو ما لم يحصل في اسوء ديمقراطيات العالم ودكتاتورياته.

 

وفي الحديث عن المحطات التي تثبت ما ذهبت اليه بان الطرف الذي خوله الشعب ادارة الدولة وفقا للمواد الواردة في الدستور قد فشل بالتزامته سابدأ بالمادة السابعة والتي تنص على (أولاً:- يحظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له،... الخ) وهذه المادة تم خرق بشكل مفضوح اذ ما زالت القوى التي اتفقت على العقد الاجتماعي وكتبت الدستور تلتزم نهجها القديم الذي يتبنى الطائفية او القومية بنزعة عنصرية تثير التفرقة وتروج له بشكل تضاعف عشرات المرات عما كانت عليه في السابق واخرجته من نطاقه المحصور بحدود الدولة العراقية سابقا نحو الاممية ورهنت قرارها بقرار جماعات ودول تشابهها بالعقيدة او التوجه وجعلتها تتحكم بالقرار العراقي وتحدد مصير شعبه وتجرم فئات معارضة لهذا النهج وتجيز قمعهم بشتى الطرق.

 

المحطة الثانية ستكون المادة التاسعة من الدستور واخترنا منها الاتي:

أولاً:-

‌أ- تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتمثيلها دون تمييزٍ أو إقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية، وتدافع عن العراق، ولا تكون أداةً لقمع الشعب العراقي، ولا تتدخل في الشؤون السياسية، ولا دور لها في تداول السلطة.

‌ب- يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة، دعوني اركز هنا على الفقرة (ب) واتساءل عن سبب تشريعهم لها رغم انهم اي (من كتبوا الدستور) خرقوها في لحظة تشريعها عندما ابقوا على اجنحة احزابهم مسلحة لا بل انها تضاعفت عدتها وعديدها خلال 17 سنة الماضية عشرات المرات واصبحت هذه الاجنحة هي المتحكم بالقرار السياسي والامني والاجتماعي وهي تنفذ ما تمليه عليها معتقداتها الطائفية والقومية وتمتلك سلاح يوازي سلاح الجيش وتستخدمه احيانا في تهديد الدولة.

 

وفي المحطة الثالثة سنتوقف عن الفصل الثاني من الباب الثاني من الدستور الذي يحمل عنوان (الحريات) ويتكون من مجموعة مواد تبدا بالمادة (37) وينتهي بالمادة (46) فان جميعها مواد معطلة لا يعمل باي منها وهي اغلبها مواد وضعت كما ذكرت سابقا لمغازلة المجتمع الدولي الذي كان يرعى عملية التاسيس لنظام جديد بالعراق ما بعد 2003 وكان يدعو الى دولة تحترم بها الحريات العامة والخاصة ووضع هذا الجزء من الدستور للتحايل على العالم وما ان هيمنت القوى المتشاركة في العقد الاجتماعي وكتابة الدستور على السلطة ومفاصل الدولة عطلت هذا الفصل وفرضت معتقداتها على المجتمع بقوة السلاح والترهيب فمثلا من ضمن ما ورد في هذا الفصل المادة (42) التي تنص على ان (لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة.) في حين ان الواقع يختلف حيث يخون اصحاب الافكار والعقائد التي تتعارض مع افكار القوى الحاكمة ويتهمونهم بالعمالة والكفر في اغلب الاحيان.

 

أما المحطة الرابعة والاخيرة فستاخذنا الى موضوع تفسير المواد الدستورية والتي بدات بعد سنوات قليلة من كتابة هذا الدستور والعمل به اذ اكتشفت القوى التي كتبته بانها لا تفهم معانية ولجئت عشرات المرات الى المحكمة الاتحادية العليا لتفسير مواده رغم ان الكتبة احياء واجتماعات لجنة كتابة الدستور المكونة من (55) عضوا في 2005 مسجلة على اشرطة فديو وموثقة واغلب الاعضاء ال (55) هم نواب في مجلس النواب وكان اغرب تفسير تقدمت به تلك القوى عام 2010 تطلب من المحكمة الاتحادية تفسير الفقرة اولا من المادة السادسة والسبعين من الدستور التي تنص على (أولاً:- يكلف رئيس الجمهورية، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً، بتشكيل مجلس الوزراء، خلال خمسة عشرَ يوماً من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية.) حيث كان التفسير يستهدف بالتحديد المقصود بال (الكتلة النيابية الاكبر عددا) وهو ببساطة ان القوى التي تقدمت بتفسير تطلب فيه من المحكمة تحديد نتيجة الفوز بالانتخابات هل هي الكتلة التي ينتخبها الشعب ام الكتلة التي تصنعها الاحزاب داخل البرلمان وفتوى المحكمة الاتحادية في ذلك الوقت كانت اشبه بعملية اجهاض للديمقراطية بالعراق عندما افتت لصالح الكتلة التي تتشكل داخل البرلمان بعد نتائج الانتخابات وبموجبها فاقد المواطن قيمة صوته الانتخابي.

 

يقول مقرر لجنة المبادئ الاساسية في لجنة كتابة الدستور السيد ضياء الشكرجي في مقابلة تلفزيونية منشورة على اليوتيوب بانه (اعتذر عن مواصلة دوره كمقرر للجنة المبادئ الاساسية للدستور بعد الجلسة الخامسة للجنة بسبب الضغط عليه من اجل كتابة محاضر الاجتماع خلاف لما يحصل باللجنة الدستورية وان يدرج ما لم يقر في الاجتماعات او يحذف ما اقر وان نسخة من الدستور سربت للصحافة لم يكن متفق عليها).

 

وقد اجد من يعارض ما اطرح في هذا المقال باعتبار ان الشعب صوت على الدستور عن قناعة واصبح ساري المفعول وانتهى الامر وهنا لابد من التذكير بثلاثة امور نجيب فيها على المعترضين على دعوات فسخ العقد الاجتماعي اولا وثانيا تدعونا ان نوجه تظاهراتنا وجهودنا نحو الغاء هذا العقد الاجتماعي والمطالبة بعقد جديد يضع دستور واضح ومفهوم لدى ابسط الناس يحدد هوية الدولة ويجردها من العقد التي تعاني منها حاليا بدلا من المطالبة بتغيير حكومة او تعديل قانون انتخابات او من هذا القبيل كون هذا العقد الاجتماعي الذي اتفق عليه بظروف غير ملائمة هو الارضية التي ترتكز عليها كل التفاصيل الاخرى من تشريعات وقوانين وانتخابات ومخرجاتها وهذه الامور الثلاثة الاتي:

 

أولا:- ان الدستور وضع في وقت حرج لم يكن فيها الشعب يعرف حقوقه الدستورية وكان خارج للتو من نير دكتاتورية تحكم بالحديد والنار ولم يكن مصطلح دستور متداول ولا معروف ولم يكن يوما مؤثر في حياتهم طيلة اكثر من اربعة عقود خلت فيما كتب هذا الدستور وصوت عليه في اقل من سنة دون ان نعرف التفهمات والاسس التي سبقت كتابته واجمعت عليها القوى المؤسسة للعقد الاجتماعي التي معظمها لم تكن مؤثرة او على صلة بالمجتمع العراقي.

 

ثانيا:- صوت على الدستور في ظروف غير ملائمة لمثل هذه الخطوة الجبارة خصوصا في المحافظات السنية التي كانت تسيطر عليها جماعات القاعدة الارهابية وغيرها

 

ثالثا:- ان هذا الدستور يخترق كل يوم من قبل كاتبيه انفسهم ويعرض للتفسير امام المحكمة الاتحادية في كل يوم بسبب عدم فهمه رغم ان من كتبوه مازالوا احياء (بغض النظر عن القاعدة القانونية التي تجيز هذا الاجراء) لكن من حقنا ان نسأل اذا كان كاتب الدستور يستفتي المحكمة الاتحادية في توضيح ما كتب فكيف بالمواطن البسيط في حين ان الكثير من المواطنين في اوروبا وامريكا وغيرها من الدول الديمقراطية يعرفون حقوقهم الدستورية ويحفظون بعض النصوص الدستورية لارتباطها بمفردات حياتهم اليومية و لبساطتها ووضوحها وقدسيتها اذا لا يجرء احد على خرقها بالمطلق وخلافه فان العقاب سيكون شديد كي يبقى الجميع ملتزم بالعقد الاجتماعي الذي يضمن استقرار الدولة وحفظ حقوق مواطنيها.

 

 

كاتب واعلامي عراقي