ثقافة

كافكا الآخر.. كافكا بعيون عربية (5)

كافكا الآخر.. كافكا بعيون عربية (5)

علاء اللامي

(... فلسطين لم تكن هدفاً لكافكا، قد يكون لها أهمية وموقع من نفسه، لكنه لم يفكر أن تكون وطناً لـه، والموضوع لا يعدو أكثر من توظيف من قبل ماكس برود خدمة لمسيرة الحركة الصهيونية. ولأن أعمال كافكا كلها بين يدي برود، وكافكا في عالم الأموات كانت حرية التلاعب بالنصوص سهلة، وذات قيمة مادية كبيرة في كثير من الأحيان/ الناقد جودت السعد)

 

 كثيرة هي الكتابات التي قدمتها أقلام عربية معروفة في الثقافة العربية المعاصرة، والتي تناولت كافكا وبعض جوانب أدبه وأفكاره وحياته الشخصية. في تلك الكتابات تكرر الانقسام الحاصل في الساحة الأدبية والفكرية الغربية بصدد كافكا وأدبه كما قلنا في موضع آخر من هذا الكتاب، ولكن بشكل أكثر تأزما وحدّة، رغم أنه لا يخلو من السطحية والتناول الأيديولوجي نظرا لخصوصية الصراع بين العرب والحركة الصهيونية ودولتها مما أعطى الانقسام والاختلاف حول كافكا "مذاقا عربيا" بامتياز.

 

ولقد كان منطقيا أن يتخذ هذا الانقسام والاختلاف بين الأقلام العربية بصدد كافكا موضوعا رئيسا  محددا يمكن اعتباره  أحد الإفرازات والنتائج المتوقعة التي أدت إليها عملية المسخ والتشويه التي قام بها ماكس برود وأمثاله، والتي توفقنا عند العديد من صورها في الصفحات الماضية من هذا الكتاب، ومن أبرزها نصيحة كافكا لماكس برود بعدم نشر صورة حشرة ضخمة على غلاف قصته " المسخ" لأن نظرته للمسوخية  أعمق من تلك النظرة السطحية والمتداولة والتي نصادفها في أغلام وروايات الرعب الرخيصة ، فكان أن فعل برود العكس تماما، الأمر الذي ينسجم مع عقليته التوراتية عن المسخ والمسوخية،  وذلك الموضوع الرئيسي والمحدد هو علاقة كافكا بالحركة الصهيونية الرجعية في أوائل القرن العشرين. ومع إننا توقفنا بإسهاب عند هذا الموضوع لدى مناقشتنا لرسائل كافكا التي جمعت في كتاب باسم " فلسطين في رسائل فرانز كافكا "، لكننا سنلقي الآن نظرة أوسع على هذا الموضوع، ولكن من زاوية أخرى ألا وهي كيف تبدى هذا الموضوع وبشكل ملموس في النصوص التي قدمتها الأقلام العربية المنقسمة ذاتها؟

 

تعود أول التقسيمات بين القائلين بصهيونية كافكا وتأييده لها والمدافعين عنه والرافضين لأية علاقة له بهذه الحركة إلى بداية السبعينات من القرن الماضي وتحديدا بعد أن ترجمت رواية " أمريكا " إلى العربية. ففي معسكر المتهمِين لكافكا نجد نقادا وأدباء عديدين من بينهم كاظم سعد الدين وسعدي يوسف وسعيد الحكيم وفيصل دراج و أنور العناني ود. محمد موعد أما مؤيدو كافكا والساعين لتبرئته من تهمة الصهيونية فنجد نقادا ومبدعين كثر من بينهم د. بديعة أمين والروائي واسيني لعرج وصلاح حاتم و د. عبدة عبود.

 

غير أن السجالات والكتابات التي تمخضت عن هذا الانقسام لم تكن على تلك الدرجة النوعية من المردودية والفائدة العلمية. ولعلنا ندرك بان السبب الرئيسي الذي يفسر تلك النتائج المخيبة للآمال لتلك السجالات هو إنها كان تخوض – ومن الجانبين - في ميدان لا علاقة لكافكا وأدبه به ألا وهو الميدان السياسي والأيديولوجي. وقد هجس أحد المشاركين في تلك السجالات وهو د. عبده عبود بهذا السبب وقارب فحواه حين كتب قائل (إن كافكا لم يكن أديبا سياسيا بالمعنى المألوف للكلمة، ولم تكن له آراء ومواقف سياسية يمكن اعتبارها مقياسا لتقييم أدبه أو مفتاحا لفهم ذلك الأدب..) والأكثر دقة، كما نعتقد، هو القول بأن كافكا لم يكن أدبيا سياسيا لا بالمعنى المألوف ولا بأي معنى آخر. ويؤشر د. عبدة على نقطة مهمة أخرى كانت من نتاج ذلك الاتهام الذي تحول لدى البعض إلى قناعة راسخة ورأي "صائب" لا رجوع عنه بالقول (ليس من مصلحة الأدب العربي ولا العالمي طرح أديب عالمي مثل فرانتس كافكا بكل يسر وسهولة في حضن الصهيونية التي لا تقصر أبدا في استخدام هذا نتاج هذا الأديب لصالح أغراضها الدعائية.) لقد استمرت الأقلام العربية التي تطرقت لهذا الشأن في السنوات اللاحقة في تكرار الخطوط العريضة التي سارت عليها سجالات السبعينات، ولكنها من جهة أخرى سلطت الضوء على مواضيع جديدة وحيثيات ظلت مهملة لزمن طويل.

 

سنحاول في الصفحات التالية تقديم قراءة قد تبدو سريعة ومكثفة ولكنها تطمح لشمول نماذج معينة لما كتبته أقلام عربية حول كافكا وأدبه، ليس بهدف تقييمها نقديا وحسب، بل و محاولة لرسم حد فاصل وجديد بين الطريقة القديمة وغير المنتجة في مقاربة كافكا وأدبه وبين طريقة جديدة تطمح إلى تقديم نفسها عمليا عبر النقد ومن داخل موضوعها ، ونعترف أن اختياراتنا لهذه النماذج على ما فيها من عشوائية وعفوية لا تخلو من الطابع الانتقائي بمحض الصدفة أو عبر الانحياز البدئي عند التحليل والاستقراء وهذا أمر سيضر يقينا ببعض مفاصل منهجيتها النقدية المعتمدة والتي تحرص على أن تَنْشَدَ إلى ما هو واقعي ومقارب للحقيقية أكثر من انشدادها لتسجيل نقاط ضد خصم أيديولوجي موهوم، فالانتقائية هنا تبرهن من جهة أخرى على  عدم وجود طابع غرضي أو فكرة مسبقة أيضا فهي ايجابية في هذا الموضع أو هكذا تبدو لنا.

 

سنبدأ بأحدث ما في الساحة الثقافية العربية بهذا الخصوص، فقد ترجمت وأصدرت هيئة متخصصة بالتراث في أبو ظبي "يوميات كافكا الممتدة بين 1910 و1923" وهي اليوميات التي أهداها إلى صديقته ملينا يسنسكايا، وكان ماكس برود قد حصل بطريقة ما على قسم من هذه الرسائل ونشرها سنة 1937 ثم نشرها كاملة في أوائل الخمسينات.

 

 في استعراض صحفي لهذه اليوميات المترجمة إلى العربية يسجل الناقد المصري محمد شعير[1]  عددا من الانتباهات والملاحظات المهمة والجديدة على المعهود النقدي العربي بخصوص كافكا، فرغم إنه لم يتساءل عن مبررات هذه "الصحوة" الخليجية المفاجئة والتي لا سابق لها على أدب كافكا من "هيئة تراث إمارة أبو ظبي" ولكنه يسجل أن  هذه اليوميات تقدم لنا صاحبَها ( بصورة غير التي عرفها النقاد. هو هنا ليس الكاتب الحزين المتشكك دائماً، المنعزل العاري في "مواجهة قوى خفية" فقط، بل ثمّة كافكا آخر، ساخر وعاشق نكتة وشغوف بالمجلات الجنسية وبكل ما هو حياتي وواقعي وممتع.) هنا بالضبط، في عبارات هذا الناقد، الذي رغم أنه اعتاد على الصورة النمطية لكافكا الخارج من معطف ماكس برود، نشعر بقوة المفاجأة وحيويتها وذلك حين أطل على الصورة الأخرى لكافكا الآخر، كافكا المختلف جوهريا عن كافكا العابر من خلال "فلتر" برود. ومن الجدير بالانتباه أن اهتمام كافكا بالجنس ومشمولاته من مواخير ومجلات إباحية لم يعد مجرد همسات أو إشارات باهتة قال بها نقاد نادرون بل تحولت إلى اكتشاف أدبي نشرته وسائل الإعلام ولإعطاء صورة أكثر وضوحا سنورد خبر هذا الاكتشاف في صيغة تشي وتقول الكثير عن السبب الذي دفع بورثة وكتب سيرة كافكا إلى عدم تشجيع نشر هذا الاكتشاف لأنه سيضر – كما ورد حرفيا – بصورة "الإيقونة الأدبية " التي صنعوها من كافكا أو جعلوا كافكا على هيئتها (وقع الأكاديمي والخبير في شؤون كافكا، جيمس هيوز صدفة، على نسخ من هذه المجلات الجنسية أثناء أبحاث أخرى كان يقوم بها في المكتبة البريطانية في لندن وفي مكتبة بورليان في جامعة أكسفورد التي احتوت على مواد إباحية، سيتم نشرها في كتاب سيصدر له في وقت لاحق  بعنوان "التنقيب عن كافكا"، ويسعى هيوز في كتابه إلى تبديد عدد من الأساطير المحيطة بهذا الكاتب الأيقونة وصورة "القديس" التي ظلت تلازمه وتتعارض مع الصور التي تثير الصدمة التي احتوت عليها تلك المجلات التي كانت محظورة.

 

وتكمن الأهمية الإضافية لهذه الصورة، في أن ناشرها الدكتور فرانس بيلي كان أيضاً هو أول من نشر عام 1908 كتاباً عن كافكا الذي كان عبارة عن سلسلة من القصص القصيرة جمعت لاحقاً في كتاب بعنوان "التأمل".

 

ويعبّر هيوز وهو الأستاذ الجامعي وخريج أكسفورد عن إعجابه بعبقرية كافكا. ويجادل بأن هذه المكتشفات الجديدة ذات الصلة بالمجلات الإباحية ليس من شأنها سوى إظهار أن كافكا أكثر إنسانية من الصورة الشعبية – النمطية؟-  له. وهو يعتقد ان إخفاء تلك الحقيقة مررّه إلى تقييم بالغ الحساسية لأعماله، ولكن كانت له في النهاية نتائج عكسية.

 

ويقول الدكتور هيوز إنه حتى اليوم فإن الأعمال الإباحية توضع في أماكن مخصصة للبالغين بعيداً عن متناول الأطفال، مشيراً إلى أن ناشر كتبه الأميركي لم يرغب في نشر حكاية المجلات الإباحية أولاً، ويضيف: "هذه ليست صوراً لسائحين على الشاطئ، إنها صور إباحية دون أدنى شك، وبعضها فاضح جداً كصور حيوانات تلعق الأعضاء التناسيلة وفتيات يمارسن السحاق مع بعضهن، إنها صور بغيضة حقاً.

 

ويشير د. هيوز إلى أن الأكاديميين كانوا يتظاهرون بعدم وجود هذه الصور، فالصناعة التي تتولى أعمال وارث كافكا لا تريد لمثل هذه الأشياء أن تُعرف عن هذا الكاتب – الأيقونة.[2]) . لقد أوردنا هذا الاقتباس بشيء من الاستفاضة لتأكيد عدد من الأمور، منها ما تقدمت الإشارة العابرة له، ومنها ما سنتوقف عنده في الصفحات التالية، مذكرين بأن الكُتّاب وبخاصة كُتّاب الروايات يطالعون ويقتنون غالبا كتبا وموسعات غريبة قد لا نجد مثيلها لدى مبدعين آخرين في مجالات الشعر والرسم والنحت. فأحد الروائيين المعروفين سجل ذات مرة أنه طالع عشرات الكتب عن الخيول ومثلها عن الزهور والأعشاب الطبية لأن العمل الأدبي الذي كان يشتغل عليه يتطلب ذلك، وروائي آخر قرأ كتبا عديدة عن الجنون والأمراض العصبية ثم تمارض وعاش في أحد المصحات العقلية لعدة أشهر قبل أن يكتب عملا روائيا في هذا السياق. لا نريد التبرير بأن كافكا كان يقتني تلك المجلات الإباحية لأنه اشتغل على عمل من هذا النوع حصرا، مع أنه كتب العديد من المشاهد الغرامية "الإيروتيكية" الحميمة كما في روايته " أمريكا"، ولكننا نكرر مع هيوز أن هذا الاكتشاف يساهم في تحطيم جزء، وإن بدا صغيرا لغيرنا، من إيقونة الراهب الديني الكئيب والغامض التي رسمها برود وأعاد شيئا من كافكا إلى بشريته وإنسانيته، أو أعاد شيئا من بشرية وإنسانية كافكا إليه. وما دمنا بهذا الصدد فيمكن أن نُذكِّر بالمشهد الذي يكتشف فيه جوزيف ك مجموعة من المجلات الإباحية يحتفظ بها أحد القضاة في درج مكتبه وهكذا يتأكد وجود هذه الحيثية في حياته اليومية كما أكد اكتشاف هيوز وفي تضاعيف عمله كما مشهد مجلات القاضي ليضفي ضوءا جديدا على فكرة التساوق والتقارب بين الإنسان الكاتب ومادة الكتابة التي يبدعها. 

 

إن حكاية د. هيوز مع كافكا الأديب والإنسان تلخص حكاية الكثيرين ممن اطلعوا على كافكا وأدبه كما هما وقد خرجا توا من فلتر ماكس برود، أو كما هما وقد تكرسا كأيقونة معلومة المواصفات تحيط بها الأساطير الزائفة من جميع الجهات ومع أن المبالغة بهذا التفصيل أو الاكتشاف الذي قد يبدو صغيرا  قد تؤدي إلى نتائج مبالغ بها أيضا ولكنها تكشف للناقد المدقق عن جانب مهم على الصعيد الإنساني وبما يضمن ويسهل الانتقال بكافكا من عالم الإيقونة الدينية المحاطة بالأساطير إلى عالم الأديب الكبير المبدع والإنسان السوي والباحث عن التفاصيل الصغير في ما هو يومي وحياتي.

 

أما عن طريقة كافكا الفريدة في الكاتبة والسرد القصصي والروائي فلا يتردد الناقد المذكور في القول (هناك شيء مشع جداً. لا يمكنك أن تسميه خبرة كتابة فقط، أو حتى خبرة حياة، بل مزيجاً من الاثنين. كاتب يستطيع أن يحوّل كل شيء حوله إلى فكرة، يستطيع أن يفكر لك، وأن يدفعك إلى التفكير، ويجعلك إنساناً كما لو أنّك تبصر الحياة من نظّارة كاشفة.) هذه الإرهاصات المبثوثة في هذا النص الصحفي القصير لمحمد شعير تنبئ  عن تحسس واضح وقوي للصورة الحقيقية لكافكا الكاتب كما هو في واقعه وحقيقته، ربما لا يمكن اعتبار هذه العبارات كافية لرصد عملية الكتابة وخصوصا من جانبها التقني الفني لدى كافكا ولكنها كما نعتقد نجحت في توصيل الفكرة الأساسية التي احتوتها والتي تذهب إلى أن قدرة كافكا الحقيقية هي في إدارته لعملية الكتابة من الناحية التقنية اعتمادا على تجربته الشخصية في الكتابة والحياة معا وسوف نتعرض بشكل أسهب لهذه اللفتة في فصل قادم حين نرصد كيف وصف كافكا نفسه حالته النفسية والعقلية حين كتب إحدى رواياته المهمة في ليلة واحدة.

 

هذه الصورة التي لمحها الناقد شعير هي صورة كافكا قبل تمريره عبر مصفاة ماكس برود، وحتى حين يحاول الكاتب تفسير بعض المفردات الصفاتية ذات القيمة المعيارية لعالم كافكا فإنه يفعل ذلك بعيدا عن الخلفيات المعتادة والمكرسة. مثال ذلك نجده في ربطه الصحيح بين الحالة المرَضية التي وقع فيها كافكا وتفاقمت في سنواته الأخيرة، وبين انتشار كلمات من قبيل الموت والخوف ومشتقاتهما. فهو يقول مثلا (الأمل الباهت الذي كان يلوح من حين إلى آخر يتحوّل إلى يأس عميق، والإحساس بالسلام الداخلي الهش يغدو لوناً من الاضطراب، والرغبة في مجابهة العالم تصير لوناً من التوحد، تماماً مثلما يصبح هاجس الموت مسيطراً بعد سقوط كافكا فريسةً للمرض. هكذا، نجد أنّ كلمة "الخوف" تتردد بقوة في اليوميات. إن الخوف لا يمنح الإنسان سوى "سعادة منقوصة"، وعندما يحبّ "سيدفن الحب تحت الخوف وتأنيب الذات"...) غير أن قراءة متمعنة لدلالات عبارات من قبيل: السلام الداخلي الهش، الأمل الباهت، اليأس، الرغبة في مواجهة العالم ... تشير بوضوح وقوة إلى حالة كافكا النفسية والروحية آنذاك وهي حالة رجل يواجه قدرة العاتي بيدين عاريتين ولا يجد حرجا من الاعتراف بأنه على وشك الهزيمة فـ"الأمل باهت" بمصير آخر لمريض السل الذي تفاقم مرضه ولم يعد قابلا للعلاج والشفاء. هنا ثمة الكثير من التفاصيل التي تذكرنا بتجربة فريدة خاضها الكاتب المسرحي العربي سعد الله ونوس والذي واجه موته الخاص بجرأة وصلابة لا مثيل لها، وكتب أهم أعماله المسرحية على الإطلاق خلال فترة صراعه مع مرض السرطان والتي استمرت خمس سنوات وانتهت بوفاته. الأكثر إدهاشا في هذا الصدد أن ونوس كان قد توقف عن الكتابة بعد الغزو الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت سنة 1982 وعاد إلى الكتابة في بداية التسعينات ليستمر في الكتابة حتى الرمق الأخير، بل إنه في أيامه الأخيرة، وحين كان يعجز عن الكتابة بنفسه، كان يستعين بإحدى طالباته في المعهد الفني في دمشق ويملي عليها ما يريد كتابته كما تروي زوجته. لقد كتب ونوس أهم أعماله المسرحية خلال ثلاثة سنوات تقريبا انتهت بوفاته وتلك الأعمال الضخمة هي:

 منمنمات تاريخية (1994)

 طقوس الإشارات والتحولات (1994)

 أحلام شقية (1995)

 يوم من زماننا (1995)

 ملحمة السراب (1996)

 الأيام المخمورة (1997)

 

بالعودة إلى ملاحظة الناقد محمد شعير سالفة الذكر نقع على إشارة واهنة، ربما لم يقصدها الكاتب، حول التقنية التي كان كافكا يعتمدها في الكتابة الروائية والتي أطلق عليها كونديرا "فن الدعابة السوداء"، فهو يقتبس من يوميات كافكا قوله (إنّ معظم الكلمات التي أكتبها لا ينسجم بعضها مع البعض الآخر. إنني أستمع إلى الحروف الصامتة وهى تحتك بعضها ببعض على نحو صفيحي، وإلى الحروف الصامتة وهي تغنى كأنها زنجي في معرض. إن شكوكي تحيط مثل الدائرة بكل كلمة... يتوجب علي أن أخترع كلمات تكون قادرة على نفخ رائحة الجثث في اتجاه لا يصيبني مثلما لا يصيب القارئ مباشرة) فالهدف من هذه التقنية الكتابية واختيار الكلمات بحسب كافكا هو ذو شقين: الأول صبغ النص بلون شاحب وسوداوي ومتفسخ لتكون الكلمات قادرة على "نفخ رائحة الجثث" في النص، والثاني هو المحافظة على الكاتب والقارئ على مسافة معينة من شرور السوداوية ورائحة الجثث العدمية.

 

بخلاف هذا نص المعبر عن الكثير، والحاوي للكثير من اللمحات العميقة على قصره، للناقد شعير، نقع على نص آخر أقرب ما يكون إلى تقرير أمني يفوح برائحة الوشاية والترصد بقلم كاتب و"شاعر" مغربي يدعى نجيب كعواشي[3]. هذا النص في الواقع هو تلخيص سيء وشبه حرفي لتقرير إخباري آخر لا يقل ارتباكا نشرته جريدة " الجريدة البيروتية " يتعرض لخبر نشرته جريدة "هاآرتس" الإسرائيلية حول العثور على وثائق جديدة تخص كافكا. فصاحب المقالة التلخيصية – كعواشي -يخبرنا بأن كافكا (نفسه يكشف في رسائله إلى أصدقائه وعائلته، أنه حضر وشارك في كل أعمال المؤتمر الصهيوني الحادي عشر. ويعترف أنه مقتنع تماما بالحركة الصهيونية ويؤيدها. والغريب أن الذين ترجموا كافكا إلى العربية لم يكشفوا لنا أي ضوء عن كل هذه الأمور التي تكشفها رسائله. ولم يقولوا لنا مثلا إنه كان مهتما بالبيوت اليهودية. وإنه حضر كل المؤتمرات الصهيونية التي عقدت في برلين وفيينا ...) هكذا، وببضعة أسطر يجري كعواشي تحقيقا بوليسيا ثم يقرر فيحكم على كافكا بالصهيونية بل وهو يعاتب، وربما ينقم على مترجمي كافكا إلى العربية، أنهم لم يحذروا القراء - العرب الطيبين حد السذاجة كما يبدو - من هذا "الصهيوني المتستر". الطريف أن كعواشي حين يعثر على نقد لكافكا موجه للصهيونية أو لفساد الحاخامات اليهود يستنتج فورا بأن هذا النقد يؤكد -  لا أحد يدري كيف ولماذا - صهيونية كافكا، وها نحن بإزاء قسمة الأرنب والغزال مجددا!

 

يؤكد كعواشي أن كتابات كافكا جزء من الأدب الصهيوني دون أن يقرأ ما كتبه ذلك الأديب أو بعضا منه، ولكنه وبعد أن يفسر ويوبخ ويدين ويقرر، يختم مقالته بالتساؤل التالي "فهل يمكن أن ننعت أدب فرانز كافكا وهو يتناول مثل هذه الموضوعات بمثل هذا الأسلوب أدبا صهيونياً؟ )

 

بالعودة إلى "التقرير الأصلي" الذي قصقصه كعواشي على طريقته الخاصة، نجد الخلطة القديمة ذاتها مع التذكير بما كتبه غارودي وسعدي يوسف وغيرهما. ولعل ما كتبه الشاعر العراقي سعدي يوسف اعتمادا على ما أورده يانوش في كتابه "كافكا قال لي" يصلح لأن يكون مناسبة لتأكيد الطابع الملفق والمشكوك به لما كتبه هذا الرجل ونعني يانوش، فهذا الشخص الذي تحول بطرفة عين إلى مرجع من المراجع التي يقصدها الباحثون في أدب وحياة كافكا، كان شابا يعمل مع كافكا في شركة التأمينات نفسها. وكان صغير السن آنذاك، ومعروف أن كافكا كان كتوما ومتحفظا فيما يخص تفاصيل حياته وأفكاره وتجاربه الشخصية إلى درجة معروفة لجميع من عرفه وحتى مع أقرب الناس إليه، فكيف يمكن أن نصدق بيسر إذاً أنه كان يمضي وقتا طويلا مع الشاب يانوش ويفضي إليه بأفكار وأخبار وتحليلات خطيرة ومهمة لم نجد لها أثرا حتى في أكثر كتاباته ورسائله حميمية؟ لتأكيد الطابع المشكوك فيه لما كتبه يانوش ونسبه إلى كافكا، علما بأن ما كتبه تحت العنوان سالف الذكر "كافكا قال لي" نشر بعد سنين عديدة على وفاة هذا الأخير، نقرأ التالي بقلم يانوش (أرى أن كافكا كان مؤمناً بآراء الحاخام هيرش كاليتشر الذي اقتفى هرتزل أثره، ومفادها أن خلاص اليهود لن يكون على يدي المسيح المنتظر، بل جميع اليهود المشردين في الأرض المقدسة...) الأكثر إثارة للاستغراب والعجب هو أن الشاعر سعدي يوسف، المعروف بحصافة آرائه النقدية وهدوئها  وميلها – في ميادين الأدب خاصة- إلى التأمل العميق والتساؤل المنتج أكثر من إطلاق الأحكام  والتقريرات الباتة، يستنتج أن كافكا كان صهيونيا متحمسا، اعتمادا أيضا على ما كتبه يانوش حيث ورد في تلك المقالة ( سأل يانوش كافكا عن معنى دياسبورا diaspora ومعناها المباشر اليهود المشتتين بعد السبي البابلي في 685 ق.م فقال: "إنها تعني تشتت الشعب اليهودي كالبذور. وكما تمتص بذرة القمح الأشياء من حولها وتكتنـزها، وتحقق نماء أكثر، كذلك كتب على اليهود: أن يمتصوا كفاءات البشر ويطهروها.) لا ريب أن كلاما ومفردات كهنوتية من قبيل (الشعب اليهودي كالبذور... وامتصاص كفاءات البشر من قبل اليهود لتطهيرها) لا مثيل لها في كل ما كتبه كافكا في قصصه ورواياته ورسائله، فلماذا نصدق "ما ينقله يانوش " ولا نصدق أدب كافكا القاطع في عدائه لثقافة الإكراه والقمع الكهنوتي والتغريب اللاإنساني؟ وعرضا نقول إن الشتات مفهوم توراتي جوهري وهو – كما يعتقد أحد النقاد – أقرب إلى البذور، ومع أن أجواء كافكا سواء في أعماله الشهيرة أو في رسائله ويومياته بعيدة كل البعد عن هذه المسحة التوراتية الكهنوتية ولكن ماكنة التحريف والصَهْيَنَة كانت قد بدأت العمل منذ زمن.

 

لنعد إلى الخبر الذي تقدمت الإشارة إليه، والذي نشرته صحيفة إسرائيلية والخاص بالعثور على وثائق جديدة تعود لكافكا في شقة في مدينة تل أبيب، ولنقرأه نصا (قالت الصحيفة إن هذه الوثائق سلمها كافكا إلى صديقه ماكس برود الذي نشر أعماله في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني. بعد وفاة برود عام 1968، ورثت سكرتيرته "استير هوفي" هذه الوثائق ومنعت الباحثين من الاطلاع عليها. باعت عدداً منها ونقلت أخرى لتضعها في صناديق في مصارف في سويسرا.) انتهى الخبر، ولنا أن نتساءل: ترى، هل يدل هذا الخبر على أن كافكا كان صهيونياً أم لا؟ قد لا يكون نشر الخبر بحد ذاته مؤكِدا لصهيونية كافكا، وربما لم يدر هذا السؤالُ بخلد من نشره ولكننا نطرحه وبقوة لأنه ينطوي على حقيقة مهمة لا يمكن طمسها، ولتوضيحها نطرح التساؤل التالي: بعد كل الذي فعله ماكس برود والصهاينة الآخرون بكافكا وأدبه وتقديمه كمناصر لمشروعهم السياسي العنصري، هل يمكن لنا ان نتصور أن برود قد أقدم على إخفاء وعدم نشر هذه المجموعة من الوثائق والكتابات التي كتبها كافكا لو كانت لصالح مساعيه لصهينة كافكا؟ لماذا خبأ برود ومن بعده سكرتيرته هوفي إذن تلك الوثائق والكتابات؟ ولماذا أرسلت بعد العثور عليها وبعد مرور كل هذه السنوات إلى خزائن المصارف السويسرية ليحكم عليها بالظلام الأبدي؟ سنكرر التساؤل بعبارات أخرى: لو كانت الوثائق التي عُثِرَ عليها تؤكد صهيونية كافكا أو مواطنته في دولة إسرائيل كما استنتج أو توقع البعض من المبالغين، فهل كان ماكس برود والمؤسسات لصهيونية الثقافية الموجودة اليوم ستتردد للحظة واحدة في نشرها وحسم الجدل حول كافكا وعلاقته بالصهيونية وبدولة إسرائيل؟ يتبع قريبا.

 

[1] - الأخبار / اللبنانية عدد الجمعة ٢٩ أيار/ مايو ٢٠٠٩

[2] - صحيفة القبس 22/8/2009 و مواقع على الشبكة حزيران/ 2010

[3] -  صفحة دروب الإلكترونية  على شبكة النت

 

مقالات أخرى للكاتب