ثقافة

كافكا الآخر.. تفكيك العالم الكافكوي الزائف (4)

كافكا الآخر.. تفكيك العالم الكافكوي الزائف (4)

علاء اللامي

في الواقع نحن بإزاء صيغتين متباعدتين أو محتوَيين مختلفين نوعيا للكافكالوجيا "العالم الكافكوي" في مؤلفات كونديرا. الصيغة الأولى والتي يقدمها بسلبية واضحة هي هذه التي انتهينا منها قبل قليل، ولكي تكون هذه الصيغة أكثر وضوحا سنورد تعريفه غير القصدي لها في كتابه المهم "الوصايا المغدورة " لننتقل بعدها إلى الصيغة الأكثر حيادية في كتابه "فن الرواية ".

 

يكتب كونديرا (خلق ماكس برود صورة كافكا وصورة أعماله الأدبية، وخلق في الوقت ذاته العلم الكافكويkafkologie   وحتى حين يود الكافكاويون kafkologues  الابتعاد عن والدهم ، فإنهم لا يخرجون أبدا من الأرض التي حددها لهم ..) غير إن كونديرا ما يلبث أن يستدرك وعلى الصفحة ذاتها فيقول (ليس كل ما كتب عن كافكا هو علم كافكاوي) ليعمد بعدها فورا إلى تفكيك الكافكالوجيا كما تقدم تعريفها، أي كخطاب تحويلي مخصص لتحويل كافكا إلى الصورة التي يرسمها عنها العلم الكافكاوي. نحن هنا إذن بإزاء علم للتحويل القسري للدلالات والمغازي بهدف خلق صورة عن أدب وأديب تختلف بل وتتناقض عنها في الواقع الحقيقي والتاريخي الفعلي لأغراض خارج السياق العلمي والجمالي.

 

أما في كتابه "فن الرواية" فنرى إن كونديرا يعمد إلى تعريف الكافكاوية كشيء مختلف تماما فهو يحاول استنباط "الكافكوية" من خلال أعمال كافكا ذاتها، وقد اختار لها مثالا في رواية "القصر" مقارنا إياها في الوقت نفسه بقصة حقيقية وقعت فعلا في بلده " تشيكوسوفاكيا أيام الحكم الشمولي الستاليني لمهندس تشيكي وجد نفسه في متاهة بيروقراطية مشابهة تلك التي وجد فيها بطل "القصر" نفسه. في الحالة الأولى قدم لنا كونديرا تعريفا منسجما لعلم الكافكوية " كافكالوجيا " كمدرسة نقدية أيديولوجية ذات خطاب قصدي وتحويلي أسس لها ماكس برود، أما في الحالة الثانية فهو يحاول أن يقدم لها تعريفا آخر يمتاز بقيمة نقدية مختلفة و يُعنى بأجواء وثيمات أعمال كافكا نفسه ومن داخل تلك الأعمال لنفهم من ثم الفحوى أو مجموعة المعاني الرئيسية التي يدور حولها أدب كافكا ويمكننا أن نعتبر ما كتبه كونديرا نفسه عن كافكا وأدبه مندرجا ضمن الكافكاوية بمعناها الأخير مع أنه كرر أكثر من مرة أنه لا يعتبر نفسه ناقدا أو مفكرا نقديا صاحب مدرسة خاصة في النقد بل أديبا يجد في نفسه الرغبة للإدلاء بأفكار خاصة تعنيه هو وحده في عالم الأدب.

 

خلال قراءته النقدية التحليلية، وعلى المسارات التي عرضناها قبل قليل، يتوصل كونديرا إلى نتائج بعضها مهم إلى هذه الدرجة أو تلك، كالخلاصة التي تقول بأن "الكوميديا" في أعمال كافكا لا تنفصل عن جوهر الكافكاوية ذاتها، أو إلى نتائج حاسمة جدا، وتكاد تكون كشفا جديدا للقلب الحقيقي لأعمال كافكا، وإظهارا جليا لجوهرها الإنساني والشعري الباهر، وذلك حين يقول ما معناه إن الثيمة المركزية التي يدور حولها منجز كافكا الأدبي كله ( ليس لعنة العزلة، عزلة الإنسان في العصر الحديث، كما يعتقد كثيرون، بل هي لعنة اغتصاب عزلة الإنسان في العصر الحديث)

 

فلنحاول استكناه واستجلاء تلك الفكرة التي نعتقد بأنها حاوية لمضمون جديد، أو لنقل بأننا لم نطلع على مثيله أو ما هو قريب منه في جميع الدراسات النقدية التي كتبت عن قصص وروايات كافكا وخصوصا "المحكمة" و"المسخ" خصوصا وربما في أعمال أخرى.لقد تكرر في أغلب تلك الدراسات النظر والتنظير لموضوعة العزلة الإنسانية في مجتمع بدايات القرن العشرين، ومع تمكن وصعود ما بات يدعى "الرأسمالية المتوحشة"بصورتها الإنكليزية البشعة  كنمط حياة وإنتاج وتفكير على اعتبار أنها- العزلة الإنسانية - نتاج لعملية التغريب والتشيؤ الذي صار الفرد ضحية لها رغم ضخامة ما حصل عليه من حريات شخصية تبلغ درجة الانفلات من كل طوق قديم والقذف في مدارات الفردانية بالغة الاتساع في مجالات محددة. فهو كما نقرأ في النثر الماركسي المدرسي أصبح غريبا عما يبدعه وينتجه بمجرد انفصال المنتوج عن المنتِج ليكون لكل منهما مدارة وكينونته " الإنطولوجية " ولتكون الكينونة الروحية للفرد ضائعة أومهمشة أو مبتورة. على هذا الأساس تقريبا نُظر إلى شخصيات كثيرة في الأدب العالمي ومنها شخصيات أدب كافكا كصور" وضحايا" لهذه العزلة والتغريب والتشيؤ. يخالف كونديرا الآخرين في هذه النظرة والتحليل مخالفة تامة فهو يقلب الموضوعة رأسا على عقب، فبدلا من القول المعهود: إن روايات كافكا تروي قصة ولعنة العزلة الإنسانية، قال كونديرا بأن اللعنة الحقيقية ليست في العزلة بل في انتهاك واختراق تلك العزلة وتدمير السلام " الفرداني" الذي صار ملجأ للإنسان المتشيء والمغترب عن ذاته. وبمقدار ما تبدو فكرة كونديرا مغرية في تكوين منظور نقدي جديد ينم عن الذكاء والحيوية الفكرية غير أن من اللامجدي أخذها كما هي ودون تمحيص واشتراطات تغني وتوسع وتعمق الاستنتاجات والخلاصات المأمولة منها. من ذلك مثلا، هل ينبغي التفريق أم لا بين تفاصيل الحالات الإنسانية للشخصيات المركزية في أعمال كافكا لتفادي الخروج باستنتاجات تستنسخ وتنمط تلك الشخصيات المختلفة نوعيا؟  وستكون الإجابة بالإيجاب إذ لا يمكن، بأية حال من الأحوال، اعتبار أو افتراض أن سامسا نسخة طبق الأصل من جوزيف ك أو أن معاناة ولعنة الأول من الألف إلى الياء هي ذاتها لعنة الثاني. ولكن كيف يمكننا تبسيط تلك الفكرة دون أن نخسر جوهرها العميق؟ هل يمكننا مثلا أن نقول: لم يكن جوزيف ك، وغريغوري سامسا، يعانيان من العزلة التي وطَّنا نفسيهما على العيش فيها شأنهما شان الملايين من البشر المتشيئين في المجتمع الرأسمالي البيروقراطي، بل قد يمكننا فهم هذه العزلة كنوع من الحل الشخصي والمفروض بل في اقتحام وانتهاك عزلتهما تلك: الأول من قبل الشرطة التي جاءت للتحقيق معه في جريمة " خطيئة "لا يعرف ماهيتها، والثاني في حدث خارق للطبيعة وقوانينها حين استفاق من نومه فوجد نفسه وقد انمسخ حشرة ضخمة؟ وما المقصود فعلا بحدث " الانمساخ" أعني هل يتعلق الأمر برمته وخلاصته بانمساخ الصورة أم الروح؟ الشكل أم المعنى؟ بعبارة أخرى ما الذي كان موضوع الانسماخ أ هو جسد سامسا وعائلته ومجتمعه أم روحه؟ يمكن لنا أن نرضى بهذه الصورة المبسطة لتلك الفكرة، ولكن إلى إي حد يمكن ضبطها، أو ضبط التعامل معها في سياق نقدي متماسك يحاول تقديم قراءة جديدة للعمل أو الأعمال المعنية بالمحاولة دون أن يفرط بالبعد الوجودي الأعم والأكبر من التحديد الزمكاني " أوروبا بدايات القرن العشرين " المنفتح على أسئلة الوجود الإنساني الأشمل والنظرة الأدبية والفنية الأعمق الموجهة نحوه ونحو ما يحايثه من وعي وضرورات وتفاصيل؟ الأكيد هو أن الإجابة على هذا السؤال يمكن الحصول عليها بعد الانتهاء من محاولة المقاربة النقدية وليس قبلها.

 

 كما نجد أنفسنا مرغمين على التوقف عند اكتشاف كونديرا الأكثر أهمية والذي فحواه  أن الإنجاز الحقيقي لكافكا وخصوصا في قصته "المسخ"[1] ، حيث لا يهتم غريغوري سامسا الذي فوجئ ذات صباح بأنه تحول إلى صرصر بالكارثة المريعة التي حلت به، بل بحيثية أخرى هي كيف سيصل إلى الباب ويخرج إلى عمله في الوقت المحدد فلا يصل متأخرا إلى المؤسسة البيروقراطية التي يعمل كبائع ملابس متجول تابع لها ليواجه، بسبب ذلك، سلسلة من المشاكل والمنغصات المعتادة مع رئيسه في العمل. إن المؤسسة البيروقراطية وبالتالي المجتمع البيروقراطي الفظ والعازل والمدمر لإنسانية الفرد في رأي كافكا ليس مجتمعا غبيا بل هو مجتمع عجيب حقا في آلياته وفي المآلات التي يصير إليها الإنسان الفرد المتشيئ وأيضا في الطابع العجيب والشعري لكل ذلك الخراب والفظاظة والتدمير والمسخ الداخلي والعزلة. يكتب كافكا إلى ميلينا (ليس المكتب مؤسسة غبية: إنه أقرب إلى العجب منه إلى الغباء.)، ويمكن لنا أن نستشف من هذه العبارة أن ثمة ما يشبه "السحر الأسود" والقدرة الغريبة على الإتيان ما يخرق قوانين الطبيعة والتاريخ في الحياة ضمن المجتمع البيروقراطي الذي أصبح المكتب رمزه السحري وعنوان عالمه الخاص. في هذه العبارة ذاتها يكتشف كونديرا ما يعتبره أكبر أسرار كافكا الإبداعية والجسر الحقيقي الوحيد الموصل إلى فك شيفرات إنجازه السردي الفكرية والجمالية لنستمع إليه يوضح هذه الفكرة بكلمات قليلة وبسيطة (عرف أن يرى ما لم يره أي إنسان: لم ير الأهمية الرئيسية للظاهرة البيروقراطية للإنسان ولشرطه ولمستقبله فحسب بل رأى كذلك – وهو أشد ما يدهشنا – القوة الشعرية الكامنة التي ينطوي عليها الطابع الشبحي للمكاتب ...) وفي موضع آخر يلخص كونديرا إنجاز كافكا بالقول (نجح كافكا في تحقيق ما كان يبدو مستحيل التصور قبله ألا وهو : تحويل مادة مضادة للشعر بشكل عميق هي مادة المجتمع البيروقراطي إلى شعر عظيم للرواية وهكذا تحولت القصر من رواية عن حادثة مبتذلة لموظف لا يستطيع الحصول على وظيفة موعودة إلى أسطورة، إلى ملحمة، إلى جمال لا يعرف له مثيلا من قبل. ص 117 / فن الرواية/ مصدر سابق.

 

ومادمنا في صدد اكتشافات كونديرا التحليلية، فسيكون من الضروري التوقف عند واحدة من القضايا المهمة التي أثارها في أبحاثه عن كافكا وأدبه ألا وهي الاستقلالية الجذرية لدى كافكا والتي لا تساعدنا على فهم الفرادة والتَمَيّز والجدة التي تطبع أعماله فحسب بل ستكون أيضا مفتاحنا الأهم لفهم عصره وظواهر عصره الاجتماعية والتاريخية الكبرى. فالفحوى الاجتماعية الأبرز والأهم في أعمال كافكا من وجهة نظر كونديرا ليست في قدرته على التنبؤ والاستشراف فحسب وكما فعل بشكل مذهل حين استشرف قدوم الأنظمة القمعية الشمولية ومحارق النازية و فظاعات الحرب العالمية الثانية – مع أن ظاهرة القمع والاستبداد أقدم عهدا من الرأسمالية المتوحشة ولكن كافكا رصدها برهافة الأديب ودقة رجل القانون بوصفه يحمل شهادة في الحقوق - بل في عدم التزامه الأيديولوجي والسياسي المباشر، أي في استقلاليته الكاملة إزاء البرامج السياسية والمنظومات الأيديولوجية والتنبؤات المستقبلية كافة، مع بقائه في العمق منتميا للإنسان ولكن وفق فلسفته الخاصة والتي لا نجدها إلا في النظرة العامة المستوعية والمستوعبة لأدبه كله. وبهذا فسيكون من العبث حشر هذا الأديب المبدع أو حشر أدبه في خانة سياسية أو أيديولوجية ضيقة ما كالصهيونية أو غيرها حيث أن طبيعة أدبه وطبيعته هو شخصيا تتناقض وتتعارض على طول الخط مع كل ما هو أيديولوجي وبرنامجي ومنحاز للقمع والكليانية. يكتب كونديرا معبرا عن وجهة نظر شخصية شكلا ولكنها أعمق من ذلك وأكثر عمومية فيقول ( إذا كنت أتمسك بتراث كافكا بمثل هذه الحماسة، وإذا كنت أدافع عنه كما لو انه تراثي الشخصي، فليس ذلك لأني أعتقد بفائدة تقليد ما يستحيل تقليده  واكتشاف الكافكاوية مرة أخرى ( الكافكاوية المقصودة هنا هي المضمون العام لأعمال كافكا كما يرصده كونديرا وليس بمعنى علم التأويل والتحريف الغرضيين لدى برود  ) وإنما بسبب هذا المثل الرائع من الاستقلالية الجذرية للرواية " للشعر الذي هو الرواية "وبفضلها تحدث كافكا عن شرطنا الإنساني في عصرنا الحاضر وبطريقة لا يستطيع بها أي تفكير سوسيولوجي أو سياسي ان يحدثنا عن ذلك مثله.

 

أما طابع الجدة النوعية من حيث الموقف أو الحالة الأخلاقية لأبطال كافكا، فيمكن لنا استخلاص مضمونه من خلال المقارنة الدلالية، على سبيل المثال، بين بطله جوزيف ك في رواية " المحاكمة [2]" وبين بطل دوستويفسكي في "الجريمة العقاب" الطالب القاتل راسكولينكوف . فالأخير يعيش عذابه الخاص بعد ان قتل العجوز وسرق مالها، وهو عذاب الشعور بالذنب الذي أدركه قاتل شاب لا سابقة له في عالم الإجرام، أما بطل كافكا في المحاكمة جوزيف ك فهو يعيش حالة خاصة وعذابا من نوع آخر، لأنه لا يعرف الجريمة التي ارتكبها، بمعنى أنه لا يعرف خطيئته. ولهذا فسيجد جوزيف ك نفسه مضطرا لمراجعة تاريخيه الشخصي كله ونبش زوايا حياته الخاصة الأمر الذي يعني بالتأكيد تحوله إلى جلاد ذاته، بحثا عن خطيئة ما وهذا هو العقاب الذي لم يعشه راسكولينكوف. إن هذا العقاب أكثر جحيمية بكثير من أي عقاب آخر، ولكي نفهم الفرق بين هذه الحالة وحالة أخرى يمكن لنا أن نتصور أن بطل كافكا في المحكمة يبحث " عن براءته؟" داخل احتمال واحد سلبي وأسود وليس ثمة احتمال آخر معاكس.  بكلمات أخرى فإن المفروض على جوزيف ك هو أن يراجع حياته من زاوية الخطأ فقط، وليس الخطأ والصواب كما يفعل المحقق والشرطي العادي والمحايد فإما أن يثبت الجريمة على مرتكبها أو أن يبرئه براءة تامة.  ثم أن عملية التذكر والمراجعة باتجاه واحد محدد النهايات سلفا عملية عجيبة بحد ذاتها إذ كيف يمكن لإنسان متهم بارتكاب جرم ضخم وخطير أن يحاول تذكر أين حدث وكيف وهو موظف ملتزم يحترمه رئيسه في العمل والآخرون؟  وهنا يبرز سؤال كبير هو: هل ثمة فرق، ومن أي نوع هو، بين ان يعرف الإنسان المعاصر خطيئته على طريقة " راسكولينكوف " فحاول التكفير عنها عبر الشعور بالذنب والعار وبين إنسان آخر لا يعرف أصلا خطيئته "جوزيف ك" ثم يتحول رغم أنفه إلى جلاد يبحث عنها، عن تلك الخطيئة بين تضاعيف حياته الخاصة وأي البطلين يعاني من اغتصاب نفسي ومعنوني وحضاري مضاعف؟

 

إن هذا كلام عن الكافكولوجيا بالمعنى الإيجابي للمصطلح أي باعتبارها دراسة لمضامين أعمال كافكا ومن داخلها هي، وضمن شرطها وشرطه التاريخي العام، وفي داخل سياق الرواية الأوروبية في بداية القرن العشرين، يناقض في الصميم المعنى الآخر للكافكالوجيا أي بوصفها علم تأويل "تصنيع " كافكا وأعماله كما أسس له ماكس برود. وبالعودة إلى كتب " الوصايا المغدورة " ولغرض توضيح الفارق بين الماهيتين المختلفتين للخطابين نرى إن كونديرا يوضح أسس " الكافكالوجيا البرودية "، على الشكل التالي:

 

-       العلم الكافكاوي " الكافكالوجيا" وعلى منوال برود لا يسعى لبحث ودراسة أدب كافكا في سياق " فن كافكا " والرواية الأوربية الواسع والواقعي، بل يحشره ويستعيض عن كل ذلك بلحظة جزئية هي لحظة الحياة السيرية لمنتجه الفرد. أي عِوَضَ ان يقدم لنا علم الكافكوية أدب كافكا ضمن سياقه التاريخي الخاص بنهر الرواية الأوروبية، نجد أمامنا شخصا مضطربا وسوداويا ومتعصبا دينيا يدعى كافكا. وعوضا عن أنْ تكون الأعمال الأدبية والفنية هي الدروب والمفاتيح الأولية للتعرف على شخصية كاتبها، فقد قلب برود المعادلة وجعل شخصية كافكا الملفقة والمزورة من قبله هي الطريق للتعرف وفهم أعمال كافكا. وهكذا كما يقول كونديرا فإن أبطال أعمال كافكا ليسوا هم جوزيف ك ورولا وشامشا والمساح وجوزفين المغنية والبهلوان بل هم – بحسب طريقة برود في التفكير النقدي المقلوب - وبكل بساطة كافكا ذاته ليس إلا!

 

-       لم يكن ماكس برود وحيدا في مساعيه تلك، بل هناك من يشبهه ...فرومان كارتيس أنهى محاضرة له عام 1963 بالفتوى المسيحانية الفخمة التالية : لقد عاش فرانتس كافكا وتألم من أجلنا ! ثمة أيضا يساريون زعموا ان كافكا كان يتردد على اجتماعات الحركة الفوضوية " الشيوعية اللادولتية "،وهناك استشهاد لأحد الاشتراكيين بقول كافكا لأحد أصدقائه  حين سأله عن رأيه بقيام الاتحاد السوفيتي وبناء الاشتراكية هناك بأن " الناس في روسيا يحاولون إقامة عالم تسوده العدالة الكاملة[3] . وثمة أيضا التذكير بمؤتمر قصر لسبليس في براغ عاصمة تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية سنة 1963 والذي عقد لدراسة كافة أعمال كافكا ومكانته ومكانتها في الدول الاشتراكية وخرج برؤية مفادها أن هذا الأدب هو(أدب طليعي وان مبدعه كافكا كان طليعة للحرية على طريقته الضاحكة الباكية / مصدر سابق ص 13 ).  وحتى البير كامو – كما يذكرنا كونديرا – لم يتكلم عن كافكا كروائي بل كفيلسوف وثمة مقال شهير لغارودي حين كان ما يزال ماركسيا يستند فيها مقتبسا ومشيرا أكثر من 130 مرة إلى رسائل ومذكرات كافكا ومحاوراته مع يانوش ولا يذكر أعمالة الروائية المهمة إلا 5 مرات لروية القصر أما رواية أمريكا فلا يذكرها إطلاقا. لكأننا بإزاء وفاء غريب لمنهجية برود التحريفية التزويرية، فكافكا لا يمكن عده ضمن عظماء الإبداع الأوروبي كباسترناك وبارتوك وأبولينير وجويس وبيكاسو وبيكيت لسبب بسيط هو أن ماكس برود قرر قبل سنين أن لا علاقة للقديس غارتا / كافكا بهذا "الانحطاط الأوروبي"!

 

-       وعلى هذا فالعلم الكافكاوي كما أسس له ماكس برود لم يُنتج نقدا أدبيا يتوخى اختراق واستيعاب المنتوج الأدبي والسرد المنجز ذاته بل لفق  تأويلا خاصا وشخصيا  لمجموعة من الرموز المبثوثة فيه والتي هي في الواقع مُسْقَطَة ومُتَخَيَّلة من قبل الناقد الكافكوي ذاته.فـ "القصر" ليس سوى نعمة الله في نظر برود و"المساح " هو مجرد برسيفال[4] يبحث عما هو إلهي فقط. يختصر كونديرا قراءته التفكيكية لمحاولة برود بالقول: في روايات كافكا لا يبحث العلم الكافكاوي عن العالم الحقيقي الذي حسنته مخيلة واسعة بل هو يوضح الرسائل الدينية ويفك رموز الحكم الفلسفية[5] .ولهذا نضيف نحن فإن عبارة كتبها كافكا في يومياته وتقول (حين أمر بالقرب من الماخور أشعر وكأني أمر ببيت المعشوقة ) سيكون مصيرها الحذف والإعدام من قبل برود .لماذا ؟ لأن هذه الجملة التي تؤكد ما هو بشري وحميمي وسَوي في شخصية كافكا الحساس والمحب للحياة لا تليق "بالقديس من زماننا" وتتناقض جذريا مع صورة المزعومة للنبي الهادي المتعصب والظلامي وقليل الكلام، بل الصامت، التي يريد برود رسمها وتكريسها لكافكا.

 

يختم كونديرا فصله عن كافكا بالاستشهاد بحادثة مهمة كان شاهدا عليها، بل هو أحد بطليها، حيث يقول أنه التقى بالروائي الشهير ماركيز ذات مرة وقبل عشرين عاما من تأليفه لهذا الفصل من الكتاب، وان هذا الأخير قال له (إن كافكا هو الذي جعلني أفهم انه يمكنني أن أكتب بشكل مختلف) ويشرح كونديرا معنى الاختلاف الذي قصده ماركيز بقوله (الاختلاف هو أن يخترق المرء حدود مشابهة الواقع "vraisemblance" ليس بمعنى الهرب من الواقع على طريقة الرومانتيكيين بل بهدف إدراكه على نحو أفضل).

 

إن القارئ المتمعن لأعمال كبار الروائيين سيدرك على الفور مغزى هذا الربط بين إدراك الواقع واختراق حدود مشابهته لا الهروب منه رومانطيقيا. غير أن ذلك لا يتم من خلال عملية مبرمجة ومخطط لها سلفا على طريقة راسمي المخططات الروائية الدقيقة، رغم ضرورتها غالبا كأسلوب لتنفيذ العملية السردية، وإنما من خلال عملية خاصة جدا تقوم على الانغماس الشخصي من قبل السارد في لعبة فنطازية ونامية بحد ذاتها، وبشروطها لخاصة، والتي لا تخلو من ضرورات الدقة التحليلية أحيانا، والحلم المنفلت المحوَّل وصفيا إلى بنية مفارقة للحلم وداخلة في بنية السرد ،كما لا تخلو من اللعب المحايث للعملية الفنية الجمالية بما يجعلها تنجح في اختراق جدار مشابهة الواقع مقدمة لنا في الوقت ذاته فنا رفيعا وجديدا هو في حد ذاته تعريفا للرواية ووجودها الأنطولوجي في آن.. يقول كونديرا مستخلصا وملخصا تجربته مع كافكا وأدبه:لقد أفلح كافكا في فتح ثغرة في جدار مشابهة الواقع "vraisemblance" ومن خلال تلك الثغرة تبعه آخرون كثيرون وكلٌّ على طريقته :فيلليني ، ماركيز وآخرون  ..

 

فليذهب القديس غارتا إلى الجحيم ... لقد حجب ظله الخصاء واحدا من أعظم شعراء الرواية على مر الأزمان. ص 56 الوصايا المغدورة /مصدر سابق)

 

وليس لنا في حقيقة الأمر، إنْ أردنا أن نتعرف على كافكا الحقيقي، إلا أن نكرر صيحة كونديرا هذه ونقول: حقا، إلى الجحيم أيها القديس غارتا! يتبع قريبا.

 

 

[1] - لا أدري ما الحكمة التي دفعت المترجم المصري الدسوقي فهمي إلى ترجمة عنوان كتاب كافكا "METAMORPHOSIS AND OTHER STORIES " أي " المسخ وقصص أخرى "  إلى " الدودة الهائلة " مع أنه نشر عنوانها باللغة الإنكليزية  على الغلاف الداخلي كما هو. وبالمناسبة وضمن هذا السياق الذي ننفيه ويتبناه المترجم كما يبدو نشير إلى ان كافكا قد حذر ماكس برود من وضع صورة حشرة على غلاف المسخ لكي لا تفهم على طريقة المترجم المصري .

 

[2] - بالألمانية  Dar prozess  و بالفرنسية  la procès  وترجمت إلى العربية في أكثر من ترجمة " المحاكمة " وهي الكلمة الأدق وتترجم أحيانا بالقضية.

 

[3] - مقدمة الترجمة لعربية لقصة "مستعمرة لعقاب"/ ترجمة كامل يوسف حسين / دار شرقيات / القاهرة / ص 11

 

[4] - برسيفال:  أحد فرسان الملك آرثر وهو بطل العديد من الحكايات المهمة رغم قلتها، وكان ابن أرملة ومات أبوه في مبارزة أو معركة أو بخيانة، قبل أو بعد أو ولد بوقت قصير. فخافت الأم أن يتلقى الولد مصير أبيه وهربت إلى الغابات لوحدها أو كان معها مرافق أو مع مجموعة من الأتباع المخلصين، فتربى دون أن يعرف اسمه أو نسبه.

 

كبر الشاب قويا وسريع البديهة ووسيم الطلعة ولكن كان ذا ذكاء محدود وهي الصفة المميزة له، وأمضى أيامه يحارب وحوش الغابة وكان يغلبهم بسرعته أو يقتلهم بالحراب الصغيرة والسهام وهي الأسلحة الوحيدة التي يعرفها.

 

في أحد الأيام يلتقي بمجموعة من الفرسان في دروعهم، وفي البداية يعبد قائدهم كإله ويأخذهم إلى حيوان غريب لا يعرفونه ثم يسألهم أسئلة ساذجة حول دروعهم ومعداتهم، وقالوا له أنهم فرسان فيصر على أن يكون واحدا ويعود إلى أمه ليخبرها بنيته ليذهب إلى العالم الخارجي ويصبح فارسا. ولبس كفلاح أو مهرج وذهب إلى بلاط الملك (وتقول بعض القصص أن أمه ماتت حزنا). يخطف الأنظار بسلوكه الغريب وجاذبيته وسخر منه السير كاي أما مستقبله فقد تم التنبؤ له بشكل غامض. وقتل أحد أعداء آرثر ويدعى الفارس الأحمر والذي أهان الملك وتحدى الفرسان والذين لم يردوا عليه. ثم لبس درع الفارس المقتول الذي يلبس بصعوبة على ثياب الفلاح التي كان يرتديها ينطلق في عدد من المغامرات والتي تختلف عبر الحكايات المروية عنه. فيصبح بعدها فارسا مقداما وماهرا ويستعيد إرث أبيه.

 

[5] - الوصايا المغدورة / كونديرا ميلان / ترجمة معن عاقل / دار الأوائل دمشق/ ص48

مقالات أخرى للكاتب