رأي

من أسقط هيبة الدولة؟

من أسقط هيبة الدولة؟

نصيف الخصاف

عدد المرات التي بتنا نسمع فيها جملة "إعادة هيبة الدولة" هذه الأيام في العراق، يكاد يتجاوز عدد المرات التي سمعنا بها مفردة "المكونات" التي اظنها من اختراع الجعفري، وتلقفها جهابذة السياسة والخطابة الفارغة من بعده. لكن من أسقط هيبة الدولة، التي يراد استعادتها؟ وممن تستعاد؟

 

إن أول من أسقط هيبة الدولة هم أعضاء مجلس الحكم الذي أسسه بريمر. وقبول أعضائه ان يكون المجلس معبرا عن "طوائف وقوميات" بدل ان يكونوا ممثلين لاتجاهات فكرية في طريقة بناء وإدارة الدولة الجديدة على انقاض النظام السابق.

 

ثم جاءت "الجمعية الوطنية" وكانت مهمتها الرئيسة تتمثل في تدوين دستور دائم للعراق الجديد، فكان الدستور الذي نتج سببا في تشظي المجتمع وتشظي مفهوم الدولة لأنه كان معبرا عن رغبة  زعماء الطوائف والقوميات ويعكس إراداتهم الشخصية في التسلط وعلى النقيض تمامآ مع متطلبات بناء الدولة. وأهم ثاني "انجاز" للجمعية الوطنية، كان تشريعها لقانون  رواتب ومخصصات اعضاءها ثم قرارها في آخر أيامها بمنح اعضاءها رواتب تقاعدية - استمروا يتقاضونها إلى جانب رواتب مناصب رسمية عينوا فيها في الحكومات السابقة- ما يعد جريمة "تعارض مصالح" حسب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.

 

ثم أسفرت اول انتخابات بعد إقرار الدستور الدائم عن انتخاب اول مجلس نواب عام ٢٠٠٥، وكانت مهمته ان يشرع القوانين التي نصت عليها مواد في الدستور الجديد، ومنها مواد تتعلق برواتب الرئاسات الثلاث والنواب والوزراء وكذلك تشكيل لجنة لاجراء "تعديلات على الدستور" في الأشهر الأربعة الأولى من دورة المجلس تلك، الأمر الذي لم يحدث لا في تلك الدورة - حسب الدستور- ولا في دورات المجلس اللاحقة، ولم تجر عملية تعديل لأية مادة دستورية، رغم ان اغلب مواده تحتاج إلى تعديلات بدءا من الديباجة إلى آخر مادة فيه، حسب مختصين. ما نجح فيه مجلس النواب في تلك الدورة هو تشريعه قانون يزيد من رواتب اعضاءه التقاعدية، مرتكبا ذات الفعل الذي ارتكبته الجمعية الوطنية قبله، والتي تعدها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد جريمة "تضارب مصالح". وحصلت حالات انتهاك الدستور والقوانين من قبل قادة سياسيين معروفين، وتم تسوية جرائم إرهابية لمتورطين فعليين بالارهاب وقتل العراقيين منهم، و التغطية على سرقات بعض السياسيين وفسادهم ما يعد جرائم تستر، ومشاركة بالجريمة حسب قانون العقوبات العراقي. ما اسفر عن فوضى صاخبة نعيش الان أسوأ نتائجها.

 

توالت انتهاكات القانون ومواد الدستور في كل الحكومات السابقة، ما أسقط هيبة الدولة وهيبة القانون وهيبة مؤسسات الدولة.

 

وخضع كل شيء لإعادة التعريف، فالتعددية التي نص عليها الدستور، تعني مشاركة "الطوائف والقوميات" بالسلطة وليس تعددية حزبية. والحزب يعني الطائفة، ومكافحة الفساد تعني المشاركة فيه، والتشيع يعني اللطم في محرم وطبخ الهريسة، والتسنن يعني تكفير الاخر، وأمريكا التي جلبت كل هؤلاء إلى السلطة تصبح "عدو" يجب طرده من العراق، والحشد الذي تأسس من فتوى من المرجعية الدينية "نصت ان يكون التطوع ضمن القوات المسلحة" يصبح مؤسسة خارج سيطرة القوات المسلحة خلافا للفتوى وخلافا للدستور. والمقاومة تعني قصف المعسكرات والمؤسسات العراقية الرسمية لوجود الأمريكان "الذين اطاحوا بصدام وجلبوا هؤلاء إلى السلطة" قرب بعضها، ولأن الأمريكان الذين استدعتهم الحكومة العراقية عندما احتلت داعش ثلث مساحة العراق، في حالة عداء مع إيران، ومن يذكر هذه الحقيقة سيكون عميلا للأمريكان.

 

هذه الطبقة السياسية هي اول من أسقط هيبة الدولة والدستور والقانون، ولا يمكن استعادتها بوجود ذات الطبقة التي اسقطتها.

 

 

مقالات أخرى للكاتب